فينست فان جوخ- الطريق عبر حقل الصفصاف (1/3)

 

image

 

بعد أن تقرأ سيرة هذا الفنان وبعد بحث عن حياته تدرك أنك أمام شخص كان يملك حسا مرهفا وعاطفة صادقة جياشة ونبلا وأصاله ولكن للأسف كل هذا لم يكن يساوي شيئا مقابل هذا العالم المادي .

فنست فان جوخ فنان حقيقي لاتملك إلا أن تعجب بلوحاته ورسوماته , تعرفت عليه عبر وثائقي جسد سيرته وحياته على شكل فيلم مدته ساعة لكن تأثيره بقي لسنوات . حقيقة لم يكن لي قبلها إهتمام بعالم الرسامين واللوحات . إلا أني بعد فان جوخ أصبحت أبحث  أكثر عن قصص الناس خلف لوحاتهم التي أصبحت محط أنظار العالم , إن تعلمت شيئا في هذا البحث عن حياة فان جوخ أو غيره فهو أنه لايوجد شيء اسمه سطحية في الرسم ! كل شيء في الرسم له مغزى !

إذا أردت أن أشبه حياة فان جوخ فلن أجد مثل الفراشة مثلا . فراشة جميلة ذات أجنحة رقيقة اقتربت من المصباح كثيرا فإحترقت ! لكن بالطبع كان هناك وقت – ولو قليلا – قبل أن تحترق أشرقت فيه وبدت فيه في غاية الكمال والجمال .

في مرحلة من حياة فان جوخ ارتبط عاطفيا بالبسطاء عمال المناجم ,اقترب منهم وأعطاهم طعامه وملابسه حتى لم يتبقى سوى الكلمات فظل يذكرهم –وفي ذلك الوقت كان واعظا دينيا- بالأمل وبرحمة الله  حتى استغنت عنه الكنسية لفرط زهده ! كان إنسانا نبيلا لكن نبله لم يكن كافيا ليحميه من قسوة الحياة .

 

ولد فنست فان جوخ بهولندا وجاء بعد سنة من ولادة طفل ميت كان اسمه أيضا فنست ! ارتبطت عائلته بالفن فأعمامه كانا تاجرين فنيين وفيما بعد أخيه ثيو أصبح تاجر فني .حين بلغ فنسيت السادسة عشر بدأ العمل في موسسة جوبيل وسي وهي شركة لتجارة الفن في لاهاي كل ذلك كان تمهيدا لولادة الفنان بداخله وإن تأخر ذلك قليلا .

ظل في تلك المؤسسة لسبع سنوات انتقل فيها بين لندن وباريس , أحب لندن وبقي فيها سنتين , خلال هذه الفترة  زار العديد من المتاحف والمعارض الفنية , وأصبح معحبا بالكتاب البريطانيين أمثال ديكنز وجورج إليوت . أثر كل هذا في حياته الفنية لاحقا .

أصبحت العلاقة بين فينسنت وغووبيل أكثر توتراً على مر السنوات، وفي مايو في عام 1875 نقل إلى فرع الشركة في باريس. ترك فينسنت غووبيل في أواخر شهر مارس وقرر العودة الى لندن حيث كان سعيدا

واصل فان غوخ في وقت فراغه بزيارة المعارض وتقديم الاحترام للعديد من القطع الفنية العظيمة هناك. كرّس نفسه أيضاً لدراسة التوراة، فأمضى العديد من الساعات يقرأ ويعيد قراءة الإنجيل

كان صيف 1876 وقتاً دينياً بالنسبة لفينسنت فان غوخ. بالرغم من أنه تربى عند عائلة دينية، لم يبدأ بتكريس حياته إلى الكنيسة بجدية إلا عند هذا الوقت.

 

التحول إلى واعظ .

ورث عن أبيه ميله إلى الدين فاتجه إلى بلجيكا ليعمل واعظا دينيا في منطقة البوريفاج عام 1878 حيث مناجم الفحم المظلمة والعمال اليائسين فقد كان مستعدا أن يهب نفسه للناس. فشارك العمال حياتهم القاسية وطعامهم وشرابهم ومأواهم وتبعهم داخل سراديب الفحم ليهبهم الأمل ويذكرهم برحمة السماء. ولم تعجب تصرفاته محترفي الكهانة فاعتبروه خارج على تعاليم الكنيسة والمسيحية، ذلك لأنه أعطى أكثر مما يجب.

ففي لوحاته فيما بعد استطاع أن ينقل شعوره الديني طبقا لرؤيته تجاه الإنسانية بشكل بسيط .. ذلك الشكل الذي سبق ورفض من الآخرين حين مارسه كرجل دين .. فنقل شعوره الديني في لوحاهت غير أنه لم يتناول موضوعات الديني التقليدية .. وكتب لأخيه ثيو حين كان في باريس قائلا .. (بالرغم من أن الأفكار الدينية تقدم لي عزاء كبير إلا أن الصور لم تكن تتداعى إلي من رمزية الكهنوت والمعبودات ، ولكن تأتيني من الشعور بالطبيعة والناس البسطاء الذين هم جزء من الطبيعة).

في السنة التالية كافح فينسنت من أجل العيش، ورغم أنه لم يكن قادراً على مساعدة سكان القرية بأي صفة رسمية كرجل ديني، اختار بأن يبقى أحد أعضاء جاليتهم على الرغم من ذلك. في أحد الأيام شعر فينسنت بالاضطرار إلى زيارة بيت جولز بريتون، وهو رسام فرنسي كان يحترمه كثيراً، وتطلب ذلك مشي لسبعين كيلومتراً إلى كوريير  بفرنسا، مع أنه لم يكن في جيبه سوى 10 فرنكات. لكن فينسنت كان خجولاً جداً لأن يدق الباب عند وصوله، فعاد إلى كيوسميس فاقداً الثقة بشكل كبير. في ذلك الوقت اختار فينسنت فان غوخ مهنته اللاحقة بأن يكون فناناً.

هناك شيء داخلي .. ترى ماهو؟

بعد فصله من عمله كواعظ بالمناجم ساوره إحساس بأنه قد خرج من ظلام المنجم الكهفي متعطشا إلى النور محاولا أن يجد لنفسه سبيلا ينجح فيه ويفتح ثغرة داخل نفسه يندفع منها مكبوته الداخلي، وكتب لأخيه ثيو الذي كان يعمل في محل لتجارة اللوحات الفنية قائلا: “منذ سنوات ولا أعرف بالضبط كم فات من الوقت، أمضى بلا عمل أو أكاد متخبطا هنا وهناك، على أن الشيء الوحيد الذي يؤرقني هو: كيف أكون نافعا في هذا العالم؟ .. ألا يمكنني أن أقدم هدفا وأصبح مجديا على نحو ما .. هناك شيء داخلي .. ترى ماهو؟”.

وبعد أشهر من البؤس بسبب الأحداث القاسية والفشل المتكرر حاول فان جوخ دراسة وليم شكسبير وتشارلز ديكنز وفيكتور هوجو.. وخلص إلى إدراك أن عزاءه الشخصي في الرسم.

كانت السنة 1883 مرحلة انتقالية أخرى بالنسبة لفان غوخ في حياته الشخصية وفي دوره كفنان. بدأ فينسنت الرسم الزيتي في عام 1882.

ترك فينست لاهاي حين افترق عن سين وعاد إلى هولندا عاش فينسنت في الأسابيع الست التالية حياة البداوة، حينما انتقل في كافة أنحاء المنطقة ورسم المناظر الطبيعية البعيدة مع سكانها.

عاد فينسنت مرة أخرى إلى بيت أبويه في نوينين في أواخر العام 1883. واصل فينسينت فان جوخ حرفته طوال السنة التالية، وأنتج عشرات الرسوم أثناء تلك الفترة، مثل لوحات الحياك والغزالون وغيرهما. أصبح الفلاحون المحليون مواضيع اهتمامه لأنه شعر بصلة قوية نحوهم، وجزئياً كان سبب ذلك إعجابه بالرسام ميليه الذي أنتج بنفسه لوحات تعطف على العمال في الحقول.

 

آكلوا البطاطا وَ ظهور أعماله الناجحة الأولى

بعد العمل الشاق وتطوير الأساليب باستمرار في السنوات الماضية استطاع إنتاج لوحته العظيمة الأولى وهي ” آكلوا البطاطا“. عمل فينسنت على لوحة آكلوا البطاطا طوال شهر أبريل/نيسان من العام 1885. أنتج مسودات مختلفة لتحضير النسخة الزيتية الكبيرة الأخيرة على الجنفاص. تعرف لوحة آكلوا البطاطا بأنها أول قطعة حقيقية نادرة لفينسنت فان غوخ، فتشجع إثر ردود الفعل بشأنها. ولكن صديقه وزميله الفنان أنتون فان رابارد لم يعجب بعمله، وأدت تعليقاته حول لوحته إلى نهاية صداقتهما.

عمل فينسنت لخمس سنوات صعبة بشحذ مواهبه كفنان، ومع إنشاء لوحة آكلوا البطاط أثبت لنفسه أنه رسام من الطراز الأول. لكنه أراد باستمرار أن يحسن أوضاع نفسه، وذلك لاكتساب الأفكار وليستكشف التقنيات الجديدة حتى يصبح الفنان الذي يتطلع حقاً لأن يكون. أنجز في هولندا بقدر ما استطاع، فتركها وذهب إلى باريس.

باريس

ذهب الى باريس  بداية العام 1886 .

السنتان اللتان قضاهما فينسنت في باريس هما أيضاً أحد الفترات غير الموثقة من حياته بشكل كبير، لأن كتاب السير كانوا يعتمدون على الرسائل بين فينسنت وثيو لمعرفة الحقائق، وقد توقفت الرسائل عندما عاشا الأخوان سوية في شقة ثيو.

كان لثيو كتاجر فني العديد من الاتصالات، فأصبح فينسنت مألوفاً لدى الفنانين الرائدين في باريس في ذلك الوقت. كان فان غوخ في خلال السنتين اللتين تواجد فيهما في باريس يقوم بزيارة بعض المعارض المبكرة للانطباعيين، حيث عرضت أعمال بواسطة ديغاس، ومونيه، ورينوار، وبيسارو، وسيورا، وسيسلي. تأثر فان غوخ بدون شك بطرق الانطباعيين، لكنه بقى مخلصاً لأسلوبه الفريد على الدوام. كان فان غوخ في طوال تلك السنتين يستخدم بعضاً من تقنيات الانطباعيين، لكنه لم يدع تأثيرهم القوي بأن يكتسحه.

vincent-van-gogh-first-steps

 

تمتع فينسنت بالرسم في ضواحي باريس طوال العام 1886. بدأت لوحاته بالابتعاد عن الألوان الداكنة وبدأت تأخذ ألوان الانطباعيين الأكثر حيوية. وما أضاف من تعقيد أسلوب فان جوخ أنه حينما كان في باريس أصبح مهتماً بالفن الياباني. فتحت اليابان موانئها مؤخراً للدول الغربية بعد قرون من الحصار الثقافي، وكنتيجة لتلك الانعزالية الطويلة سحر العالم الغربي بالثقافة اليابانية. بدأ فان غوخ باكتساب مجموعة كبيرة من الطبعات الخشبية اليابانية الموجودة الآن في متحف فان غوخ في أمستردام، وعكست لوحاته في أثناء ذلك الوقت الاستعمال الحيوي للألوان المفضلة عند الانطباعيين والألوان اليابانية المنعكسة. بالرغم من أن فان جوخ أنتج ثلاث لوحات يابانية فقط، إلا أن التأثير الياباني على فنه كان موجوداً بشكل دقيق في طوال بقية حياته.

 

أردت أن أرسم الرجال والنساء بشيء يبقى عالقا في الأذهان عنهم ، صغيرا عنهم بالبريق الحقيقي .. بومضات اللون

 

 

الانتقال إلى الجنوب

We must launch out into the great sea of life

انتقل فينسينت فان غوخ إلى آرل في بداية العام 1888 لعدة أسباب منها كرهه لباريس وللشهور الطويلة من الشتاء فيها. السبب الآخر كان حلم فينسنت بتأسيس نوع من المطارحات للفنانين في آرل، حيث يلجأ إليه رفاقه في باريس، ويعملون سوية، ويدعمون بعضهم البعض نحو هدف مشترك.

في آرل رسم فان غوخ سلسلة من لوحات البساتين المنفتحة. كان فينسنت مسروراً بما أنتج، وشعر بالتجدد. كانت الشهور التالية أكثر سعادة بالنسبة إليه. حجز فينسنت غرفة في مقهى دي لاغار في أوائل مايو/مايس، واستأجر بيتاً أصفراً كمكان يرسم فيه ويضع لوحاته. في الحقيقة لم ينتقل فينسنت إلى البيت الأصفر حتى سبتمبر/أيلول، حينما أسسه كقاعدة لما سماه بإستوديو الجنوب.

وفي أواخر 1888 دعى فان جوخ جوجان ليشاركه مرسمه في الجنوب الفرنسي المشمس ، وكانت تلك الزيارة بداية المتاعب لفان جوخ والمقصود بها المتاعب الفنية والنفسية .. وجاء جوجان .. وتوترت العلاقة بينهما .

ويرجع سبب التوتر بين الفنانين الكبيرين فان جوخ وجوجان إلى محاولات جوجان المستمرة بإقناع فان جوخ أن يلجأ في لوحاته إلى تسوير المنظر المقرب الذي يقطع الشكل (الشخوص) من الوسط ويعطى انحناءة من الجانب عبر سطح اللوحة تؤدي بالمشاهد لدخول عمق اللوحة مباشرة كما في لوحة جوجان “الرؤيا بعد الموعظة . ”

ورسم الفنانان نفس الموضوعات لكن كلا منهما لم يكن راضيا .. فلم يعجب فان جوخ إقحام جوجان لنساء (بريتون) (المكان الذي أتى منه جوجان قبل وصوله آرل) .

وأصبح جوجان يضيق ايضا بفان جوخ وكتب جوجان إلى صديقهما المشارك بيرنار يقول : (إنه متحمس لصوري ولكن بمجرد الإنتهاء منها حتى يبحث عن الأخطاء دائما .. إنه رومانسي حالم وأنا مشدود إلى البدائية والفطرة تأسرني .. كما أنه يحب استخدام اللون تلقائيا وأنا على العكس لاتستهويني الفوضى في التنفيذ) .

وفي نوفمبر 1888رسم فان جوخ لوحته ((نزهة في آرل)). وفيها وضح بشدة تأثير جوجان الفني عليه .. واعتمد فان جوخ في لوحته هذه تنفيذ فكرة جوجان بطريقة القطع عند الوسط في المنظر المقرب وبالفعل قطع اِلإمرأتين في لوحته عند الوسط ومن الخلف ظهرت امرأة منكفئة تجمع زهور من الحقل .

ومن خطا فان جوخ أن حاول الرسم بطريقة ليست من أسلوبه أو رؤياه في شيء فقد أصر جوجان أن يرسم جوخ من الذاكرة لا من الطبيعة مما جعل مهمة الرسم عليه شاقة ومتعذرة .. كان إصرار جوجان الدائم على طريقة القطع النصفي للأشكال تزعج فان جوخ .. وصل الأمر أن أخذ جوجان بحث جوخ على لاتخلي عن ضربات الفرشاه المتميز بها ويلجأ إلى الخطوط السميكة المحيطة بالمساحات اللونية المسطحة .. هذا كان في نظر فان جوخ طريقة مصطنعة في الفن ..

وعلى إثر هذه التجربة كتب فان جوخ لبيرنار قائلا : (حين كان جوجان معي هنا في آرل دفعت نفسي مرتين وراء فكرة التجريدية ، وظننت أن الطريق إليها ليس بعسير ، لكنس اكتشفت أنها أرض مسحورة غير مأمونة ، ففي أي لحظة يجد افنسان نفسه في مواجهة جدار عليه أن يتسلقه ولكن لا قدرة له على ذلك) .

وفي نهاية ديسمبر من نفس العام ومع الإحتفالات بأعياد رأس السنة انتابت فان جوخ نوبة عصبية ونوع من الصرع الهيستيري نتيجة مشادة وقعت بينه وبين صديقه جوجان قطع على أثرها أذنه . – هناك خلاف في السبب الذي لأجله قطع فان جوخ الجزء الأسفل من أذنه

يقال أيضا عن سبب قطع أذنه عند جلوسه في إحدى الحانات لاحظ غانية إسمها (راشيل كما ذكرتم) تنظر إليه فعندما تقرب إليها تبين أن سبب لفت انتباهها له أذنيه فسألته مازحة هل لك أن تهديني إحدى أذنيك الكبيرتين وبما أن هذا الفنان شديد الحساسية أثر هذا تأثيرا سلبيا بالغا به مما جعله يقطع إحدى لحمتي أذنيه ليقدمها لها

وبعد هذه الحادثة مباشرة دخل مستشفى للأمراض العقلية في آرل .. وبعد أيام رسم لنفسه لوحتين (شهيرتين الآن) وقد أحاط بالرباط الأبيض أذنيه وراسه ليغطي الأذن المقطوعة .

وفي إيريل 1889 تخللت حياة فان جوخ سلسلة مريرة من الإنعكاسات بعضها أشد وطأة وأثرا أقسى من الآخر وكان يعاني من حالة صرع تتكرر زادها حدة وقسوة إهمال فان جوخ والظروف السيئة التي أحاطته .. ومن شباك غرفته المعزولة بالمستشفى رسم أشجار شائكة بلا هوية ولا معالم . ونباتات أرضية نبتت فجأة متوحشة وكأنها نباتات شيطانية .

تعافى فنسيت كليا مع نهاية ديسمبر الأسابيع الأولى من العام 1889 لم تكن سهلة بالنسبة لفينسينت فان غوخ. عاد فينسنت بعد تعافيه إلى بيته الأصفر، لكنه واصل زياراته إلى لدكتور راي لإجراء الفحوصات ولتغيير ضمادات رأسه. كان فينسنت متحمساً بعد التوقف، لكن مشاكله المالية استمرت، كما شعر باكتئاب جزئي عندما قرر صديقه المقرب جوسف رولن  لقبول موقع أفضل للعيش فانتقل مع عائلته إلى مارسيليا. كان رولن صديقاً عزيزاً ومخلصاً لفينسنت في معظم وقته في آرل. أصبح فينسنت كثير الإنتاج طوال يناير وبداية الشهر التالي، فرسم بعضاً من أعماله المعروفة مثل لوحتي “لابيرسوز” و”عباد الشمس”. في 7 فبراير عانى فينسنت من نوبة أخرى تخيل فيها نفسه بأن مسمم. نقل فينسنت مرة أخرى إلى مستشفى هوتيل ديو للمعالجة، ومكث هناك 10 أيام، لكنه عاد مرة أخرى إلى البيت الأصفر بعد ذلك.

أصبح بعض مواطني آرل قلقين في ذلك الوقت بسبب سلوك فينسنت، فوقعوا عريضة بخصوص مخاوفهم. أرسلت العريضة لرئيس بلدية آرل ثم لمدير الشرطة الذي أمر فان غوخ بدخول المستشفى مرة أخرى. بقى فينسنت في المستشفى للأسابيع الست التالية، ولكن سمح له بالمغادرة تحت الإشراف في بعض الأحيان لكي يقوم بالرسم ولوضع أملاكه في المخزن. كان ذلك وقتاً منتجاً لكن فان غوخ كان مثبط العزيمة عاطفياً. كما كان الحال قبل سنة، عاد فان غوخ لرسم البساتين المنفتحة حول آرل.

ولكن بينما كان ينتج بعضاً من أفضل أعماله، أدرك فينسنت بأن موقفه غير ثابت، وبعد المناقشات مع ثيو وافق على اللجوء إلى مستشفى سان بول دي موسول النفسي في سان ريمي دي بروفانس طوعاً. ترك فان غوخ آرل في 8 مايوولتنتهي بذلك مرحلة آرل الفنية ، أكثر مراحله ازدهارا وأكثر ذاتية وأصالة وتعبيرية لما كان يتصارع داخله مابين حالات التعبير الفني وحالات التنفيس النفسي .

ورغم حالته السيئة في المصحة لم يترك يوما ألوانه ولا فرشاته وفي نفس شهر دخوله إلى مصحة سانت ريمي رسم لوحتين لمدخل المصحة من الداخل وما يميزه من أقبية كثيبة دون ملامح لأي تواجد إنساني في اللوحة .. ورسم الأرضية وكأنها في تصارع مع الجدران تجاه عمق المدخل .

كان تغيير المنظر الخارجي عبر نافذة غرفته بمستشفى الأمراض العقلية مختلف عن المنظر الذي يشاهده الآن من نافذة حجرته بالمصحة مما كان حافزا ومنشطا له وامتلأ شغفا لتصوير ما يراه ووجد لعواطفه المضطربة نظيرا في أشجار السرو التي تشبه وتحاكي ألسنة اللهب في تصاعدها العشوائي.

 

المستشفى النفسي.

إنها صرخة ألم آتية من أعماقي

عند وصوله إلى المستشفى، وضع فان غوخ تحت عناية الدكتور ثيوفيل زشريي أوغسطي بيرون. بعد فحص فينسنت ومراجعة حالته، اقتنع الدكتور بيرون بأن مريضه كان يعاني من الصرع- يوجد الكثير من الآراء حول مرض فنسيت لكن هنا في ويكابيديا كتب الصرع وسيتم التوسع في الآراء في الجزء الثاني – . بعد أسابيع، بقيت حالة فينسنت العقلية مستقرة وسمح له بالاستمرار في الرسم. وفي منتصف الشهر يونيو أنتج فان غوخ عمله الأفضل وهو لوحة “ليلة النجوم

حالة فان غوخ العقلية الهادئة نسبياً لم تدم طويلاً، فأصيب بنوبة أخرى في منتصف الشهر يوليو. حاول فينسنت ابتلاع لوحاته الخاصة ولذلك وضع في المستشفى ولم يسمح له بالوصول إليها. رغم أنه تعافى سريعاً من الحادثة، أصيب فان غوخ بالإحباط بعدما حرم من الشيء الوحيد الذي يحبه وهو فنه. في الأسبوع التالي، سمح الدكتور بيرون لفان غوخ باستئناف الرسم. تزامن ذلك الاستئناف مع حالة عقلية جيدة

لم يستطع فان غوخ مغادرة غرفته لمدة شهرين، لكنه في الأسابيع التالية تغلب على مخاوفه مرة أخرى واستمر بالعمل. في أثناء ذلك الوقت بدأ فينسنت بالتخطيط لمغادرته النهائية من المستشفى النفسي في سان ريمي. طرح ذلك على ثيو الذي بدأ بالاستعلام عن البدائل المحتملة لعناية فينسنت الطبية.

بقت صحة فان غوخ العقلية والجسدية مستقرة جداً في بقية العام  1889 و ساعد أوكتافي موس الذي كان ينظم معرضاً في بروكسل حيث عرضت فيه ست من لوحات فينسنت. بدا فينسنت متحمساً منتجاً في طوال ذلك الوقت. فصلت المراسلات المستمرة بين فينسنت وثيو العديد من الأمور حول عرض لوحات فينسنت ضمن المعرض. في 23 ديسمبر من العام 1889 وبعد مرور سنة على حادثة قطع الأذن، عانى فينسنت من نوبة أخرى استمرت لأسبوع، لكنه تعافى منها بسرعة واستمر في الرسم. كما عانى من المزيد من النوبات في الشهور الأولى من العام 1890. من المحتمل أن تكون تلك الفترة الأسوأ بالنسبة لحالته العقلية اليائسة. بعد الاستعلام، شعر ثيو بأنه من الأفضل لفينسنت أن يعود إلى باريس ويوضع بعد ذلك تحت عناية الدكتور بول غاشي  وافق فينسنت على اقتراح ثيو وأنهى أموره في سان ريمي. في 16 مايو 1890 ترك فينسينت فان غوخ المستشفى النفسي وذهب ليلاً بواسطة القطار إلى باريس.

وقد ظهرت رسائل علمية وأبحاث طبية تعد بالمئات عن طبيعة المرض العقلي الذي أطاح بعقل فان جوخ، ونظر بعين علم النفس إلى الخطابات المتبادلة مع أخيه والتي بلغت حوالي 652 خطابا بالإضافة إلى حوالي 40 خطابا لأمه ومعارفه. وتعتبر هذه الخطابات ثروة أدبية وفنية ضخمة يصف فيها معاناته وتجاربه ومواقفه الفنية بإبصار فذ تجاه عمله ومصدر رائع لأخذ الحقائق عن حياه من مصدرها دون أي احتمال للادعاء والتخمين.

 

حياته الأخيرة

vincent-van-gogh-vincent-van-gogh-holland-flower-bed.jpg

( أشعر شعور قاطع بأن حياتي  فاشلة لذلك أعاني بصورة لاتصدق وبشكل دفين .. مما جعلني أبحث في مواجهة عذابي عن وسائل دفاع شتى .. كالدين .. والعمل الخير .. والفن .. والآن أهب نفسي طواعية للرسم بشكل يتزايد كلما تزايد إحساسي بأنني مهدد وأنني سأواجه بنوبة مقبلة لن تبقى مني شيء) .

كانت رحلة فينسنت إلى باريس هادئة، واستقبله ثيو عند وصوله. بقى فينسنت مع ثيو وزوجته جوانا ومولودهما الجديد، فينسنت ويليم (الذي سمي على اسم فينسنت) لثلاث أيام. لكن فينسنت شعر ببعض الإجهاد فاختار ترك باريس والذهاب إلى أوفير سور أوايز. اجتمع فينسنت بالدكتور غاشي بعد فترة قليلة من وصوله إلى أوفير. استطاع فينسنت إيجاد غرفة لنفسه في إحدى المباني الصغيرة التي ملكها آرثر غوستاف رافو، وبدأت بالرسم على الفور.

كان فينسنت مسروراً من أوفير سور أوايز التي أعطته الحرية التي لم يحصل عليها في سان ريمي، وفي نفس الوقت زودته بالمواضيع الكافية لرسمه. أسابيع فينسنت الأولى هناك انقضت بشكل هادئ بقى فينسنت طوال يونيو في حالة نفسية جيدة وكان كثير الإنتاج، فرسم بعض أعماله المعروفة مثل “صورة الدكتور غاشي” ولوحة “الكنيسة في أوفيرس”.

رسم لوحتين للدكتور غاشي مرتديا قبعته البيضاء وجاكته الأزرق .. وكتب لأخيه يقول : (إن البورتريه يلعب خيالي وإحساسي أكثر من أي شيء آخر .. ذلك هو البورتريه الحديث وآمل أن أكتشف سره وخفاياه الباطنية من خحلال اللون ولاشك أن ماأريده هو هذا).

وفي تلك الفترة رسم في 9 يوليو لوحة ذات أفق واسع ممتد عريض تعكس إحساسه البائس من جديد وأسماها (حقل قمح والغربان) 1890 .. وبدى فيها حقل للقمح متسع تحت سماء ضبابية وأعواد القمح ثائرة ومتماوجة بفعل الرياح والغضب .. وكتب لأخيه معبرا عن يأسه (لم أعد أحتاج أن أخرج من طريقي .. ولا أحاول أن أعبر عن الخوف والعزلة الطويلة)

وفي منتصف يوليو رسم ((مبنى البلدية)) في أوفير قبل انتحاره بأسبوعين وهو في قمة التوتر العصبي بلمسات مرتجة وخطوط ملتوية ومتقلصة بنسب غريبة وكأنه مبنى خيالي يتوسط أعلاه ما يشبه البرج الصغير ملتوي إلى أعلى .

في مساء يوم الأحد الموافق 27 يوليو/ 1890 أخذ فينسينت فان غوخ مسدساً وأطلق على صدره رصاصة. استطاع فينسنت العودة إلى رافو وهو يتمايل حيث انهار على السرير ثم اكتشفه رافوتم استدعاء الدكتور مازيري وكذلك الدكتور غاشي، وتم الإقرار على عدم محاولة إزالة الرصاصة من صدر فينسنت، ثم كتب غاشي رسالة طارئة إلى ثيو. لم يكن لدى الدكتور غاشي عنوان بيت ثيو وكان لا بد من أن يكتب إلى المعرض الذي كان يعمل فيه. لكن ذلك لم يتسبب في تأخير كبير، فوصل ثيو في عصر اليوم التالي.

بقى فينسنت وثيو سوية حتى الساعات الأخيرة من حياته. ذكر ثيو لاحقاً بأن فينسنت أراد الموت بنفسه، فعندما جلس إلى جانب سريره قال له فينسنت.

أن الحزن يدوم إلى الأبد“. مات فينسنت فان غوخ في الساعة الحادية والنصف صباح يوم 29 يوليو عن سن الـ 37. الكنيسة الكاثوليكية في أوفيرس رفضت السماح بدفن فينسنت في مقبرتها لأنه انتحر، لكن مدينة ميري القريبة وافقت على الدفن والجنازة، وتم ذلك في 30 يوليو.

Grave_of_Vincent_van_Gogh

توفى ثيو فان غوخ في أوفر سور أوايز بفرنسا بعد رحيل فينسنت بست شهور. دفن في أوتريخت لكن زوجته جوانا طلبت في عام 1914 بإعادة دفن جسده في مقبرة أوفيرس إلى جانب فينسنت. طلبت جو أيضاً بأن يتم زراعة غصين النبات المعترش من حديقة الدكتور غاشي بين أحجار القبر. تلك النباتات هي نفسها موجودة في موقع مقبرة فينسنت وثيو حتى هذا اليوم.

ومضى فان جوخ بعد حياة قاسية من المعاناة النفسية ومن تجاهل الآخرين لفنه .. فطوال حياته وإنتاجه الغزير لم يبع له أخيه ثيو إلا لوحة واحدة بفرنكات قليلة.

ملاحظة . هناك رواية أخرى تقول أن فان جوخ لم ينتحر ولكن أُطلق عليه النار بالخطأ من قبل مراهقين كانوا في الحقل حين كان فان جوخ يرسم لوحته

مَنسي !

that a victory achieved after lifelong work and effort is better than one achieved more quickly

لم يكتب عنه إلا مقالة واحدة في حياته كتبها الناقد الفرنسي ألبير أوريه بعنوان “المنسيون” بينما كان هو في المصحة، قال فيها الناقد “إن ما يميز لوحات فان جوخ تلك الشحنة البالغة والعنف في التعبير .. إنه يصور تصويرا تسجيليا حاسما الخصائص الأساسية للأشياء .. ويبسط الأشكال في جرأة عن طريق ألوانه وخطوطه المتأججة بالعاطفة .. وإصراره العنيد على الوقوف في وجه الشمس والتحديق إلى قرصها الباهر فتتجلى قوته كفنان .. وفي بعض الأحيان يبدو إنسانا رقيقا إلى أقصى حدود الرقة .. ولعل ما يميز لوحاته ورسومه هو فهمه العميق للموضوع الذي يرسمه وتقصيه عن جوهر الأشياء وحبه الصادق للطبيعة .. ولكن هل سيقدر لهذا الفنان الأصيل ذو الروح العامرةب الضياء أن ترد إليه الجماهير بعضا مما يستحقه من تقدير وإكبار فتدخل إلى قلبه السكينة ؟ .. لا أعتقد ذلك بالشيء القريب فهو إنسان بسيط ومتواضع ومرهف الحس وهي صفات لا يعتبرها مجتمعنا المادي ذات أهمية“.

 

نكساته.

Alone, one is sure to perish. Only with another can one be saved. The best and most effective medicine is still love and a home.

في خريف العام 1880، وبعد أكثر من عام من العيش بفقر في بوريناج، توجه فينسنت إلى بروكسل. في فصل الصيف عاش فينسنت مع أبويه مرة أخرى  لبدء دراساته الفنية.

في إتين، وخلال تلك الفترة قابل ابنة عمه كورنيليا أدريانا فوس ستريكير (تسمى “كي”). أصبحت كي  أرملة مؤخراً وكانت تربي ابنها الصغير لوحدها ]. وقع فينسنت في حب كي وتحطمت مشاعره حينما رفضته،] فأصبحت تلك الحادثة إحدى أبرز الحوادث في حياة فان غوخ. بعد ذلك قرر فينسنت مواجهتها في بيت أبويها. رفض أبو ‘كي’ السماح لفينسنت برؤية ابنته [ فقرر فينسنت وضع يده على قمع مصباح زيتي ليحرق نفسه متعمداً قائلا: “اجعلوني أراها قدر ما أستطيع وضع يدي في هذا اللهب”. كان هدف فينسنت أن يضع يده على اللهب حتى يسمح له برؤية كي، ولكن أبوها قام بسرعة بإطفاء المصباح، فغادر فينسنت البيت مذلاً.

 

كان العام 1887 في باريس مرحلة تطور أخرى لفينسنت كفنان، لكنها أيضاً سببت له خسائر فادحة، عاطفية وجسدية. عندما أصر فينسنت على الانتقال والعيش مع ثيو، قام بذلك على أمل أن يحسن الاثنان من إدارة نفقاتهما وليتمكن فينسنت بسهولة أكثر من أن يكرس نفسه إلى الفن. ولكن عيشه مع أخيه أدى كذلك إلى الكثير من التوتر بينهما. كما كان الحال في طوال حياته، جعل الطقس السيئ في أثناء فصل الشتاء فينسنت عصبياً ومكتئباً. لم يكن فينسنت أكثر سعادة من حينما انسجم مع الطبيعة وعندما كان الطقس أفضل. في أثناء الشهور الشتائية الكئيبة في باريس – في عامي 1887 و1888 – أصبح فان غوخ أكثر قلقاً لأن الصور والألوان الكئيبة نفسها ظهرت مرة ثانية. سنتا فان غوخ في باريس كانتا أكثر تأثيراً على تطوره المستمر كفنان. لكنه حصل على ما كان يريد، فحان وقت الانتقال. لم يكن فينسنت سعيداً أبداً في المدن الكبيرة، فقرر ترك باريس نحو الجنوب.

 

100104_r19185_p646

MFA213437 Credit: Self Portrait with Bandaged Ear and Pipe, 1889 (oil on canvas) by Vincent van Gogh (1853-90) Private Collection/ The Bridgeman Art Library Nationality / copyright status: Dutch / out of copyright

تدهورت العلاقة بين فان غوخ وغوغان في ديسمبر/كانون الأول، فأصبحت مجادلاتهما الساخنة كثيرة الحدوث. في 23 ديسمبر أصيب فينسنت فان غوخ بنوبة عقلية جنونية، فقطع الجزء الأوطأ من أذنه اليسرى بواسطة شفرة حلاقة، ثم انهار. اكتشفته الشرطة ثم أدخل إلى مستشفى هوتيل ديو في آرل. بعد أن أرسل غوغان برقية إلى ثيو، اتجه فوراً إلى باريس دون أن يزور فان غوخ في المستشفى. تراسل فان غوخ وغوغان لاحقاً لكنهما لم يجتمعا شخصياً مرة أخرى

 

بالرغم من الخيبات العاطفية والتوتر الإنساني في علاقات فان جوخ مع المحيطين لكنه كان على العكس، يتطور على الصعيد الإبداعي، وواصل إنجاز لوحاته عن عمال المناجم والحرفيين والفلاحين. واستمر في التنقل والرسم بالرغم من أنه لم ينل الشهرة أو الإعجاب المناسبين لأعماله.

 

 

لوحاته ..

اكلو

آكلوا البطاطس.

لوحة “آكلوا البطاطس” الموجودة حاليا بمؤسسة فان جوخ بأمستردام تعتبر الثيمة العظمى لهذه المرحلة، وقد نفذها بطريقة خشنة في الملامس .. وإظلام داخلي شغل كامل اللوحة إلا من ضوء مصباح غاز معتم يؤكد حالة البؤس التي يعيشها شخوص اللوحة وتنضج به وجوههم .. وقد وصف آكلوا البطاطس لأخيه ثيو قائلا : “إنني أعمل من جديد في لوحة أولئك الفلاحين الذين تجمعوا ليلا حول وجبة من البطاطس في إحدى الأمسيات .. وطول الأيام التي كنت أعمل خلالها في لوحتي هذه كان الأمر بالنسبة لي بمثابة معركة متصلة”.

ولوحة فان جوخ آكلوا البطاطس رسمها على نسق الفنان ميليه لتأثره به وبدأ فيه مستواه الفني وكأنه معزول عن التطور الذي حدث للفنون الحديثة حتى ذلك الوقت .

اللوحة يخيم عليها جو ساكن كجو الطقوس القديمة داخل غرفة مغلقة كأنها فرغت من الهواء تلك الكتل البشرية الفظة في شخوصه ومحاولته التأكيد بأنهم مجرد قرويين هولنديين ، وهذه الخاصية في التعبير يتعذر على أحد سوى فان جوخ أو ميليه الشديدا الإنسانية أن يقدما مثيلا لها في أعمالهم .. وتتميز اللوحة بالإضاءة الباهتة المبهمة المتوائمة نفسيا مع حالة الريفيون التعساء في اجتماعهم المرهق على العشاء بعد يوم شاق حتى ظهرت أيديهم وهم يأكلون بشكل فظ وكأن الجوع والبؤس شغلهم عن غسل أيديهم العالق بها طمى الأرض .. وكأيديهم بدت الوجوه رمادية يائسة .. وهنا نجد فان جوخ نجح في التعبير عن حياة البؤس والشقاء التي يعيشها الفلاحون البسطاء باستخدامه الألوان البنية والخضراء المعتمة والأصفر المائل للحمرة القاتمة . وقد حاول أن يعطي اللوحة إضاءة خاصة منفصلة عن إضاءة المصباح الغازي الساقط من السقف باستخدام اللون بدرجات متقاربة ومتناقضة في ضوئها .. فاعتمد على ضربات الفرشاة الصفراء على الوجوه لتضيئها فتبرز على سطح اللوحة مبتعدا عن طرق التظليل بالأسود .. وقد ساعده اللون كما في الإضاءة على تحقيق البعد النفسي الإنساني والتأكيد على القيمة الفنية من تجسيم وظل .. واللوحة رغم سكونها القاتم نجد بها حركة داخلية ساكنة هادئة تحققت باتجاهات الأذرع والعيون خاصة تلك النظرات الحنونة في مقابلنا من الزوجة لزوجها المجهد .. كذلك تأتي حركة من يد الزوج الثاني مادا يده إلى زوجته إلى أقصى اليمين بقطعة من البطاطس المسلوقة غير أنها مشغولة بإعداد الشاي .. كما أكدت حركة الفرشاه واتجاهاتها العنيفة الممتلئة باللون على لاحركة الداخلية المنسحبة على الجميع.

 

 

 Portrait-of-Père-Tanguy

الأب تانغي

ذات يوم كان على ڤينسنت ڤان گوخ ان يختتم المرحلة الباريسية في مساره الفني، تماماً كما كان قبل ذلك قد أنهى المرحلة الهولندية. ففي ذلك الحين كان فان غوغ في طريقه لكي يستقر في الجنوب الفرنسي… كان يسعى، من خلال ذلك، الى شيء من النور يضفي صفاء على لوحاته المقبلة، وإلى شيء من الحرية يعطيه بعض مبرر للعيش، كان افتقده في كل مكان حل فيه حتى ذلك الحين، بما في ذلك باريس التي كانت حلمه فإذا بها تصبح كابوسه.

اذا تأملنا لوحة «الأب تانغي» التي كانت واحدة من اللوحات الكثيرة التي رسمها فان غوغ في ذلك الحين، سنكتشف كم ان هذه اللوحة تمكنت من التعبير عن ذلك كله، أي عن المخاض الذي كان فن فان غوغ يعيش فيه، ساعياً الى الانطلاق في أبعاد جديدة لم يكن، بعد، قادراً على تلمّسها كلها بوضوح، وإن كان في عفوية فنية واضحة، عبرّ عنها في مختلف جزئيات هذه اللوحة.

 

1961.18.34

المقهى الليلي 1888

لوحته هذه التي هي رمزا إلى لاحالة الإنسانية في وحدتها ووحشتها واغترابها ، وقد استخدم الأخضر الباهت والمصفر والمزرق مما أعطى إيحاء قوي بالعتامة الوجدانية كما أنه أكسب المكان بعدا دراميا معبرا عن انحصاره تعبيرا عن انطباق الجدران عليه أو الكون بأسره ، وبذلك يعبر عن الهدوء الحاد في أقصى درجات حددته ووحشته ، وقد انقلب المقهى إلى مكان تجول فيه الكآبة وكأنه مكان مؤقت للإنتقال إلى ماهو أكثر منه وحشة وكآبة .. وكأننا في منطقة للصراع النفسي ما بين الموجود والمتوقع في كل لحظة من الترقب المشدود .. ونجح فان جوخ في التعبير بكل هذا الكم ، الصدق وباللون عن انفعالات الإنسان المريعة لإحساسه بالوحدة واليأس وفي هذا كتب لأخيه :  (حاولت التعبير عن انفعالات الإنسان والرهبة التي تنتابه بتصوير المقهى الذي يؤدي بالمرء إلى تدمير نفسه فيندفع لارتكاب جريمة) .

frameimage

 

الحاصد . 1889

وفي المصحة رسم لوحة ((الحاصد)) 1889 التي لو تأملناها نجده وقد رأى شخصية الفلاح الحاصد بمنجله لعيدان القمح وكأنه حاصد الموت في لوحة ساعد اتساعها في الأفق على الإحساس بالوحشة .

ولم يعد فان جوخ يملك الإيمان بسمتقبله الفني وأثر هذا عليه مسببا انتكاسة شديدة فكتب لأخيه يقول : (منذ أيام وأنا أعاني من تفاقم المرض غير أنني أصارع مع المرض قماشة لوحتي في صورة ((الحاصد)) التي غمرتها كلها بطلاء أصفر كثيف ورغم بساطة المشهد إلا أننني أرى ذلك الحاصد تحت وهج حرارة الشمس كأنه شبحا غامضا يقاتل كالشيطان لإنجاز مهمته .. فبدى لي صورة للموت .. وبدت لي سيقان القمح التي يجمعها بمنجله كأنها بشرا .. ولا أعرف كيف خرج هذا الحاصد الشيطاني إلى الوجود لكنه أتى على النقيض ممن أردت رسمه من قبل .. ويثيرني أن صورة الموت هذه تمضي في خطواتها الواثقة دون أي مظهر من مظاهر الحزن .. ماضية في جرأة في وضح النهار تحت ضوء الشمس الذهبي الذي يغمر الأشياء جميعا) .

 vincent-van-gogh-the-exercise-yard-or-the-convict-prison-c-1890

سجناء.1890

وفي فبراير 1890 رسم لوحتين عن ((السجناء)) ورسم في أحدهما مشهدا داخل فناء سجن عالي الأسوار وفيه يدور في دائرة الجسناء مغلولين وكأنهم منذ الأبد يدورون هكذا دون تذمر استسلاما لقدرهم غ ير أن أحد هؤلاء هو الفنان نفسه وقد بدت عليه ملامح ثورة مكتومة .

وعن لوحتي السجناء كتب لأخيه : (إنها صرخة ألم آتية من أعماقي)

وفي لحظات يأس وصراع مع نوبات صرع اجتاحته يكتب لثيو (أشعر شعور قاطع بأن حياتي فاشلة لذلك أعاني بصورة لاتصدق وبشكل دفين .. مما جعلني أبحث في مواجهة عذابي عن وسائل دفاع شتى .. كالدين .. والعمل الخير .. والفن .. والآن أهب نفسي طواعية للرسم بشكل يتزايد كلما تزايد إحساسي بأنني مهدد وأنني سأواجه بنوبة مقبلة لن تبقى مني شيء) .

 

wheatfield_crows

حقول. 1890

في خطاب لأخيه ثيو بتاريخ 10 يوليو 1890، كتب فنسنت فان جوخ واصفا لوحته «الحقول»: «انها حقول شاسعة من القمح تعلوها سماء مضطربة، ولكني لم اتعمد افتعال تصوير مشاعر الحزن والوحدة. سوف احضر لوحاتي الاخيرة معي الى باريس وتستطيع ان ترى بنفسك ما لا استطيع قوله لك بالكلمات». اللوحة التي يعتبر الكثيرون انها اللوحة الاخيرة لفان جوخ والتي أنهى العمل فيها قبل انتحاره بتسعة عشر يوما، اللوحة عرضت للجمهور لأول مرة في عام 2001 في مدينة أمستردام واثارت وقتها موجة ضخمة من عروض الشراء وهو شيء متوقع ، فعمل نادر كهذا يعكس الايام الاخيرة في حياة الفنان من المتوقع ان يثير كل تلك الرغبة الجامحة في اقتنائه، فهي الفرصة الاخيرة لأي جامع للوحات لشراء لوحة من لوحات فان جوخ .ويبدو ان اللوحة حملت الكثير من الاهمية لثيو حتى انه احتفظ بها لمدة عشرين عاما ولم تعرض للبيع الا في عام 1907 ومنذ ذلك الوقت ظلت اللوحة ضمن المجموعات الخاصة بعيدة عن صالات المتاحف، وهو ليس بالمستغرب فالكثير من لوحات فان جوخ ظلت بعد وفاته ضمن المجموعات الخاصة ولم تعرض للجمهور حسبما يؤكد ديفيد نورمان نائب مدير صالة سوذبي لصحيفة الاندبندنت.

ورغم ان الكثير من الخبراء الفنيين يؤكدون ان لوحة «الحقول» هي آخر لوحات فان جوخ، الا ان هناك جدلا قائما حول ما اذا كانت لوحة «حقول القمح والغربان» هي آخر لوحة وخاصة للقتامة التي تسود اللوحة وهي في نظر الكثيرين تعبر عن الحالة النفسية للفنان في أيامه الاخيرة واعتبروها بمثابة «خطاب انتحار» و ان كان لا دليل هناك على كونها الاخيرة. وذكر فان جوخ لوحة «حقول القمح والغربان» ضمن حديثه عن لوحاته الاخيرة في خطابه لاخيه ثيو « لقد عدت للرسم مرة أخرى وان كنت امسك الفرشاة بصعوبة ولكني أعرف ما الذي أريد أن ارسمه … أعمل الآن على ثلاث لوحات عن حقول القمح القابعة تحت السماء الملبدة بالغيوم … أعتقد انها تعبر عما لا استطيع التعبير عنه بالكلمات».
. وتنتمي لوحة «الحقول» الى سلسلة من اللوحات التي انجزها فان جوخ في عام 1890 وكانت فيها حقول القمح الذهبية لمنطقة اوفر سور اويز. والمدهش في لوحة «الحقول» هو اختلاط الامل واليأس و الاحساس بالوحدة بين الالوان المشعة بالأمل المتمثلة في القمح الاصفر وبين اليأس والقتامة في السماء الزرقاء الداكنة المضطربة وهو ما قد يعكس قدرة فان جوخ على الفصل بين اليأس والحزن داخله عن الامل المتراقص مع اعواد القمح الصفراء وهو ما يؤكده نورمان بقوله: «نعرف ان هذا الرجل غارق في اليأس وعلى شفى الانتحار ومع ذلك فهو يظهر في لوحاته ما يراه في العالم الخارجي حوله». وظلت لوحة «الحقول» تجذب الزوار اليها في متحف أمستردام الى جانب مجموعة اخرى من اللوحات التي تدور حول المناظر الطبيعية للفنان الشهير رسمها في سنواته الاخيرة. وعرضت اللوحة في لندن مرة واحدة في عام 1995م .

 vincent-van-gogh-cafe-terrace-at-night

ساحة مقهى في الليل .

لوحة “ساحة مقهى في الليل” كانت اللوحة الأولى التي يرسم فيها فان كوخ خلفية من النجوم. وبعد سنة من إتمامها، رسم الفنان لوحته الأشهر: ليلة مرصّعة بالنجوم. تعلّم فان كوخ في باريس أساليب تكثيف الألوان وجعلها تبدو اكثر إيقاعا واشدّ سطوعا، من خلال تعرّفه على لوحات الفنانين الانطباعيين آنذاك.وفي السنوات الأخيرة من حياته، رسم الفنان اشهر لوحاته على الإطلاق. وقد أمكن التعرّف على الكثير من تفاصيل حياة فان كوخ وجوانب فنّه بفضل السجلّ الضّخم من الرسائل التي بعثها إلى شقيقه ثيـو في إحدى تلك الرسائل يكتب فان كوخ إلى أخيه بعد إتمامه رسم هذه اللوحة: فرغتُ للتوّ من رسم صورة لليل ولكن من دون لون اسود. فقط الأزرق والبنفسجي والأخضر. وأشعر أنني مفتون كثيرا برسم الليل والسماء في الطبيعة المفتوحة” السماء الليلية ظلّت منذ القدم مصدرا ثريا للإلهام الذي ينتج الفنّ والشعر الجميل. ومنظر الليل في هذه اللوحة المعبّرة يذكّرنا بالرحلة اللانهائية التي مشاها فان كوخ نفسه باتّجاه الضوء الذي كان ينشده داخل كونه الخاص.

 Portrait_of_Dr._Gachet

الدكتور غاشي. 1888

في عام 1888م انتقل فان غوخ إلى ضاحية آرلي في جنوب فرنسا، وفي آرلي تعرّف على الدكتور غاشي الذي اصبح صديقه المقرّب الذي يلتمس عنده العلاج لنوبات الصرع العنيفة التي كانت تنتابه من وقت لاخر.في هذا الوقت، كانت ألوانه كثيفة ولمسات فرشاته مضطربة كما يتضح من لوحاته التي تعكس تشوّشا واضطرابا ذهنيا ، رسم فنسنت جوخ طبيبه في الأشهر الأخيرة من حياته، ثم لان موضوع اللوحة ظل لزمن طويل مثار جدل كبير . وقد رسم فان جوخ لوحتين لطبيبه الخاص الدكتور غاشي، اشهرهما هذه اللوحة التي يتفق كثير من النقاد على اعتبارها تجسيدا لبراعة فنية لا نظير لها.

و قد قال عنه فان جوخ في إحدى رسائله لأخيه : ( إنه مريض مثلي ، بل ربما يكون أكثر مرضا ) . و هي أعلى لوحاته سعرا فقد بيعت لثري ياباني بـ 82.5 مليون دولار بعد ثلاث دقائق فقط م طرحها في مزاد فني في عام 1990م ، و العجيب أنها لم تكن تجد من يشتريها حين كان فان جوخ يعرضها للبيع كي يسد حاجته!

على الطاولة، وأمام الدكتور غاشيه، تبدو نبتة “قفاز الثعلب” التي اشتق منها عقار الديجيتاليس ، في إشارة من فان غوخ إلى كفاءة الدكتور غاشيه ومهارته الطبية، وربما كانت تلك إشارة من الفنان إلى انه كان يعالج بذلك العقار قبل أن يقدم على الانتحار بعد جلسة طويلة مع غاشيه ليلة التاسع والعشرين من يوليو 1890م.

كتب فنسنت فان كوخ لأخته فيلهليمينا رسالة مقتضبة قبل أن يموت قال فيها: ” أنا لا أحاول أن أنجز هذه الأعمال من خلال الشبه الفوتوغرافي، ولكن بواسطة التعبيرات الحميمة، المشبوبة العواطف. “، وكلنا يعرف بأن فان كوخ قادر على الاستنساخ إذا ما أراد، وقد أتى بهذا الشبه في العشرات من اللوحات، ولكنه كان يريد دائماً الإمساك بالعواطف المتقدة، والمشاعر الحقيقية الملتهبة. ولو تأملنا لوحة ” بورتريه للدكتور غاشيه ” لوجدنا أن هذا الشخص لافت للانتباه، ليس لأنه صورة مطابقة للأصل، وإنما لأن اللحظة التعبيرية المُلتقطة هي لحظة وجدانية، محركة للعواطف البشرية. ولا يستطيع المتلقي إلا أن يتعاطف مع هذا الكائن الذي يحمل شبهاً كبيراً من الفنان نفسه، ويخترق هذا الشبه حدود المعالم الخارجية ليتوحد مع المشاعر الداخلية لصاحب البورتريه، وطريقة تفكيره أيضاً. أنا أعتقد بأن كل شيء في هذا البورتريه يحمل رمزاً من رموز الكآبة، وعلامة من علامات الوهن الداخلي .
كما أن الروايتين الفرنسيتين الموضوعتين على الطاولة واللتين تؤثثان المشهد الأمامي بلونهما البرتقالي المصفر لهما أكثر من دلالة تعزز معنى الحزن البشري، وتكشف عن الكآبة الإنسانية عندما تبلغ ذروتها. فهاتان الروايتان تتحدثان عن الحياة الحديثة والمعاناة الذهنية في باريس ” جيرميني لاسيرتو ” 1864 و ” مانيت سالامون ” 1867- 1868 وقد كتبهما الأخوان كونكورد. بعض النقاد قالوا بأن فان كوخ قد اختصر أفكار الفن الحديث التي هيمنت خلال تلك السنوات في خلال هذا البورتريه. أما عن العينين الذكيتين النفاذتين اللتين تنطويان على حزن كبير فقد قال:  ” كان عليَّ أن أرسمها بهذا الشكل لأنقل حجم التعبير والعاطفة الموجودين في رؤوسنا نحن البشر في هذا الزمن الذي عشناه مقارنة بالرؤوس القديمة في البورتريهات القديمة وحجم التوق والصراخ الذي تنطوي عليه”

تأثرة بفنانين آخرين

قد برر فان جوخ لجوئه لرسم لوحات مستوحاة من الذاكرة لفنانين آخرين في خطاب لأخيه قائلا : (يطلب منا نحن الفنانين أن نضع أنفسنا في التكوين وتكون جزء منه . نتقلص ولا نكون سوى مكونين ولا شيء سواه .. على حين لا يكون هذا الأمر في الموسيقى .. فالذي يعزف مقطوعة لبيتهوفن يضفي من نفسه على العمل .. وقد فعلت نفس الشيء فجعلت لوحات ميليه وديلاكرواه تتمثل أمامي ثم منحتها لونا لم يكن كله مني ، بل حاولت أن يتماثل اللون وصورهم .. لكن الذاكرة وإيحاءها لي بالإحساس الحق أجدها هي تفسيري الخاص وقد بدأت أقلد لوحاتهم من الذاكرة دون ترتيب مسبق مني ولكن اكشتفت أن هذه الطريقة علمتني أشياء .. ثم أنها وهذا الأهم أمدتني بالعزاء)

 

أعماله .

” كيف تكون الحياة إذا لم نكن نملك الجرأة على المحاولة؟

لا شك في أن فنسنت فان كوخ هو واحد من أعظم الرسّامين في تاريخ الفن الأوروبي. وقد أنجز خلال حياته القصيرة ” 1853م-1890م ” نحو ” 900 ” لوحة منفّذة بالزيت على الكانفاس، و ” 1100 ” عمل تخطيطي في مدة قياسية لم تجتز العشر سنوات، آخذين بنظر الاعتبار أنه أنتج أكثر من ” 70 ” لوحة زيتية في الفترة المحصورة بين 20 مايو  1890 و 29 يوليو من العام ذاته وبنشاط جنوني محموم قبل أن يموت.

 

الشهرة بعد الوفاة

We are now living in a world of painting, where all people intercept money. But you mustn’t think that I’m imagining things. People pay a lot for the work when the artist is dead

 

tarihi_olaylar_galeri_the-red-vineyard-jpg_506004464_1429194441-jpg_92402574_1433701905

لم يحقق فان كوخ أي نجاح يُذكر في حياته، وقد باع لوحة واحدة خلال حياته الفنية وهي لوحة ” حقل العنب الأحمر ” وهي موجودة الآن في متحف بوشكين في موسكو، ولكن شهرته تحققت بشكل مذهل بعد  أحد عشر عاماً من وفاته ، وخاصة بعد أن عُرِض له 71 عمل

زيتي فني  في باريس في 17 مارس 1901، إذ بدأ النقاد يسلّطون الضوء على حجم التأثير الكبير الذي خلّفه على المدارس الفنية المهمة كالتعبيرية، والوحشية، والتجريدية. وقد لا نغالي إذا قلنا بأن أصداء تجربته الفنية، وبأوجه متعددة، كانت موجودة بقوة لدى الكثير من أقرانه الذين عاشوا في القرن العشرين. وقد أفردت أمستردام مُتحفاً لفان كوخ يحمل اسمه، ويتضمن أعمالاً فنية لبعض من معاصريه. كما يضم متحف ” كرولر– مولر ” في مدينة أوترلو الهولندية بعضاً من أعماله الفنية المهمة. ومن المعروف أن العديد من روائعه الفنية تحتل مرتبة أغلى اللوحات الفنية في العالم. ففي 30 مارس 1987م بيعت لوحة ” السوسن ” في مزاد علني في ” Sotheby ” في نيويورك بمبلغ ” 53.9 $ ” مليون دولار أمريكي. وفي 5 مايو ” أيار ” 1990م بيعت لوحة ” بورتريه للدكتور غاشيه ” في ” كريستي ” في لندن بمبلغ ” 82.5 $ ” مليون دولار أمريكي محققاً أعلى رقم قياسي في العالم آنذاك، ولم يحطم هذا الرقم إلا الفنان الكبير بابلو بيكاسو عندما بيعت لوحته الشهيرة ” صبي مع غليون ” عام 2004م بمبلغ ” 104.1 $ ” مليون دولار أمريكي. وجدير ذكره في هذا المضمار أن لوحة ” بورتريه شخصي من دون لحية ” لفان كوخ هو أغلى بورتريه في العالم إذ بيعت هذه اللوحة عام 1998م في نيويورك بمبلغ ” 71.5 $ ” مليون دولار،

 vincent-van-gogh-irises-saint-remy-c-1889

السوسن

حققت لوحة الفنان الهولندي فان كوخ الموسومة بـ “السوسن ” المنفذّة بالزيت على كانفاس، رقماً قياسياً ضمن سلسلة أغلى اللوحات الفنية في العالم، إذ بيعت في 11 نوفمبر عام 1987م بمبلغ 49 $ مليون دولار أمريكي وكان من المتوقع أن تحصل هذه اللوحة ” السوسن ” على سعر مضاعف. وقد اقتنى هذه التحفة الفنية رجل الأعمال الأسترالي ألان بوند من دار المزاد العلني المشهور ” سوذبي “، وبسبب المشكلات المادية العويصة التي صادفته آنذاك اضطر لبيع اللوحة بأقل من قيمتها الحقيقية بكثير. واللوحة موجودة حالياً في متحف ” ” في لوس أنجليس، في مقاطعة كاليفورنيا

في السنة الأخيرة من حياته، أي قبل موته بأشهر قليلة على وجه التحديد رسم فان كوخ 130 لوحة. وبحسب أصدقائه الفنانين فإنه بدأ بلوحة ” السوسن ” في الأسبوع الأول من إقامته هناك. وهذه اللوحة بالذات مستوحاة من زهور السوسن الموجودة في حديقة المصح العقلي نفسها.

وبحسب الرسائل التي خلفها عند أخيه ثيو لا توجد هناك تخطيطات معروفة لهذه اللوحة كما كان يفعل في أعماله السابقة، بينما كان فان كوخ نفسه يعتبر هذه اللوحة نفسها دراسة لا غير. ثم عرف أخوه ثيو بسرعة قيمة هذه اللوحة، فقدّمها إلى صالون ” المستقلين ”

وقد كتب فنسنت عن هذا المعرض قائلاً: أنها ” أي اللوحة تدهش العين من بعيد،

 إنها دراسة جميلة مليئة بالسعادة والحياة. كل زهرة من زهرات السوسن التي رسمها فان كوخ فريدة من نوعها. لقد درس حركات السوسن وأشكالها بعناية بالغة ليخلق منها نماذج متنوعة لأشكالها المنحنية، والمربوطة بخطوط متموجة، مفتولة، ومجعدة. وقد كتب الناقد الفني الفرنسي أوكتاف ميربو ذات مرة، وهو واحد من أوائل المساندين لفان كوخ كتب متسائلاً: ” كيف فهم الطبيعة المتقنة للزهور؟ ” إن روح فان كوخ القلقة وحالته الذهنية الحزينة، والمغتمة، والكئيبة هي التي ألهبت عمله الفني بالكثير من الفرح العظيم، كما أنها غلّفته بالحزن العميق، وأحاطته باليأس والقنوط.

. أكد العديد من النقاد الذين رصدوا تجربة فان كوخ الفنية بأن لوحة ” السوسن ” تمثل الرأس المدبب من جبل الجليد لواحدة من الأفكار الكثيرة التي استحوذت عليه لمدة طويلة من الزمن. فقد رسم فان كوخ هذه الزهور عندما كان في مدينة آرل، حيث كان منشداً إلى الطبيعة الزاخرة بالجمال. وكانت رسوماته المكرسة للطبيعة، أو المستوحاة منها، فيها جانب روحي عميق، وقيمة جمالية رفعتها إلى مستوىً عالٍ.

” السوسنات ” في هذه اللوحة هي زهور حية، نابضة بالحركة والحياة، و قد وصفها بعض النقاد وكأنها ترقص جذلى من الفرح!

 vincent-van-gogh-starry-night-c-1889

 ليلة مرصعة بالنجوم

لوحة فينسنت فان كوخ” ليلة مرصعة بالنجوم” أكثر أعمال كوخ شهرة وقد ألهمت كثيرا من القصص الأدبية والنصوص الشعرية والأعمال الموسيقية وأغنية دون ماكلين الشهيرة فانسيت او استيرى نايت كانت من وحى هذه اللوحة الشهيرة. رسم فينسنت اللوحة عندما كان في” سانت رمى” في الوقت الذي كان سلوكه فيه عصبي جدا بسبب شدة المرض العقلي الذي عانى منه.وقد ظهر ذلك الاضطراب في ألوان اللوحة وطريقة الرسم.
بالمقارنة مع أغلب أعمال فان كوخ الفنية ، ليلة مضيئة بالنجوم رسمت من الذاكرة وليست كلوحاته الأخرى التي رسمت من وحى الطبيعة. وبالرغم أن ليلة فان كوخ المضيئة بالنجوم ليس فقط عمله الأكثر شهرة، لكنها اللوحة التي نالت كثيرا من التفسيرات والقراءات على مرّ السنين، العديد من المدارس النقدية الفنية حاولت تخمين المعنى المتضمن في تلك اللوحة وأهميته وقد رجح النقاد اللوحة مستوحاة من قصة يوسف في سفر التكوين من العهد القديم .

 

كتب فان جوخ في إحدى رسائله لأخيه ثيو : ( إني بدلا من محاولة نقل ما أراه نقلا أمينا أستعمل الألوان اعتسافا من أجل التعبير عن نفسي تعبيرا أقوى)  .
ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ انه لا يتوفر سوى معلومات قليلة جدا عن شعور الفنان فان جوخ تجاه هذه اللوحة فهو لم يذكرها سوى مرتين في رسائله وبصورة عابرة.

رسم فان جوخ ليلة مرصعة بالنجوم في ظروف كان سلوكه خلالها يتسم بغرابة الأطوار بسبب شدة النوبات التي كانت تجتاحه،وقد رسم اللوحة من الذاكرة وليس في الطبيعة الخارجية كما هو الحال مع لوحاته الأخرى. وهذا يفسر ربما سبب التأثير الانفعالي القوي لهذه اللوحة والذي يفوق تأثير كافة أعماله الأخرى في نفس الفترة.

 

479px-VanGogh-still-life-vase_with_12_sunflowers.jpg

أزهار دوار الشمس.

من أشهر لوحات فان جوخ و تمتاز بألوانها المشرقة على عادة الانطباعيين . و قد بيعت هذه اللوحة عام 1987م بـ 39,9 مليون دولار بينما كان فان جوخ قد عرض بيعها بـخمسين فرنكا . جاءت لوحة أزهار دوار الشمس تتويجا لذلك الكدح الجنوني وتراكم خبرات هائلة في زمن قصير جدا فلقد كتب ذلك إلى أخيه بعد فترة قصيرة من إتمام رسمها من المستشفى الذي حُجر عليه فيه وكانت هناك لوحتين لدوار الشمس رسمهما فنسنت في المستشفى حيث قال : « سترى أن هاتين اللوحتين تشدان بصرك إليهما. انهما نوع من الرسوم التي تتغير صفاتها كلما ازددت إمعانا بها، فتصبح اكثر ثراء » لهذا توقع «فان جوخ» أن يصل سعر لوحته «أزهار دوار الشمس» إلى 500 فرنك وقت إنجازها، معتبرا إياها علامته الفارقة كرسام. وكذلك أضاف في الرسالة نفسها:  « انا دائما ممتلئ بالندم الى حد كبير، عندما أفكر في عملي لأنه لم يكن مماثلا لما كنت احب إنجازه، آمل على المدى البعيد، ان أنجز أشياء افضل ».

 

 

ذكرى فان جوخ

بشكل سنوي وفي ذكرى ميلاد فان جوخ في الثلاثين من مارس دائما هناك إحتفاء بأعماله . سأسرد بعض من المؤلفات / الأفلام التي تناولت سيرة هذا الفنان الجميل .

The Sunflowers are Mine: The Story of Van Gogh’s Masterpiece

by Martin Bailey

 61TvG946I7L._SX405_BO1,204,203,200_

في عام 2013 صدر كتاب “قصة تحفة فان جوخ من تأليف مارتين بيلي , أحد كبار المتخصصين في فن فان جوخ وحياته، الذي نشر من قبل كتاب (رسائل من بروفنس)، يعرض فيه بالتحقيق والتحليل رسائل فان جوخ التي كان يرسلها إلى أخيه ثيوجوخ، وقد باع هذا الكتاب أكثر من 60 ألف نسخة في خمس لغات منها الألمانية والفرنسية والدنماركية والإسبانية، وبروفنس هي المنطقة التي رسم فيها فان جوخ تحفته، أو بتعبير أدق سلسلة تحفه من اللوحات التي كان موضوعها زهور عباد الشمس. وقد لاقى كتاب بيلي الجديد تقريظاً وحفاوة كبيرة من نقاد الفن والثقافة في مختلف دول العالم، واحتفت به الصفحات الثقافية في العديد من صحف العالم، هذا إضافة إلى وكالات الأنباء العالمية التي أشارت إلى الكتاب الهام أو إلى بعض ما جاء فيه، ولذا رأيت أن أخصص نافذة هذا العدد للحديث عن بعض الأسرار التي حواها الكتاب، وأعتقد أنها تهم المتخصصين في الفنون التشكيلية، وأيضاً عامة المثقفين الذين يتذوقون الفنون.

قصة تحفـة فان جوخ
بدأ مؤلف الكتاب مارتين بيلي أبحاثه حول فان جوخ منذ ثمانينيات القرن الماضي، وكتب العديد من الدراسات حول حياته وفنه، وأشرف على إقامة معرضين كبيرين لعرض لوحات فان جوخ، ثم تفرغ للقيام بسلسلة

من المغامرات الفنية للبحث عن مصير اللوحات التي رسمها فان جوخ لزهور عباد الشمس في مختلف متاحف العالم، حتى جاء هذا الكتاب الذي يقع في 240 صفحة من الحجم الكبير، ويضم الكثير من التفاصيل التي تعرض لأول مرة، وأيضاً صوراً للوحات عباد الشمس وخاصة صورة اللوحة الفريدة التي فقدت في اليابان.

واستطاع مارتين بيلي بعد بحثه المضني ومغامراته التي استمرت سنوات طويلة أن يحصل على (صورة) للوحة التي دمرت في اليابان، وكانت محفوظة في أحد المتاحف الصغيرة هناك في ملف يحوي أيضاً مجموعة من صور لوحات سيزان، والصورة تبين الإطار البرتقالي الذي وضعه فان جوخ لتلك اللوحة التي كانت تضم ست زهرات من زهور عباد الشمس، وكانت هذه أول مرة يختار فيها جوخ هذا اللون البرتقالي لإحدى لوحاته

من أين يأتي الإبداع؟
ولكن كتاب مارتين بيلي لم يكن فقط عن كشف أسرار لوحات عباد الشمس، التي أصبحت من درر الفن الخالدة، وانتشرت في قارات العالم وعواصمه الكبرى، بل كان أيضاً عن كثير من التفاصيل المأساوية التي ملأت حياته كإنسان وكفنان.

ولا يملك من يقرأ هذه التفاصيل، إلا أن يعجب كيف استطاع هذا الفنان الذي كانت حياته الشخصية والفنية سلسلة متصلة الحلقات من التعاسة والإخفاقات والصراع مع نفسه ومع الناس من حوله، بل ومع الأمراض النفسية والجسدية التي لم تفارقه طوال حياته، والتي قضت عليه وهو ما زال في السابعة والثلاثين.. كيف استطاع مع كل هذا، وفي هذا العمر القصير، أن يبدع هذه اللوحات التي خلدته على مر الزمان وتعاقب الأجيال، ولكن هذا العجب يتبلور في سؤال، بل في أسئلة حائرة، عن أسرار الإبداع، التي ما زلنا عاجزين عن الوصول إليها، ورغم كل المحاولات التي بذلها الإنسان عبر تاريخه الطويل لكشف هذه الأسرار، أو بعضها، لم يصل إلا إلى مزيد من الأسرار التي تزيد من حيرته وعجزه أمام تفسير الظاهرة الإبداعية تفسيراً منطقياً.

 photo-original.jpg

Loving Vincent-2016

كتب الفنان العالمي Vincent van Gogh قرابة الـ 800 رسالة كان نص اخرها قبل وفاته الغامضة والمثيرة للجدل:
“حسنا، الحقيقة هي، نحن لا نستطيع التحدث بغير لوحاتنا وهذا ما نقوم به “.

قامت صانعة الأفلام Dorota Kobiela بتكريم Van Gogh من خلال فيلم Loving  Vincent  وهو انتاج تعاوني بين بريطانيا وبولندا والذي يعتبر أول فيلم طويل مصنوع بالرسم في العالم، وفقاً لدوروتا والمنتج hugh welchman الحاصل على جائزة الأوسكار ان كل إطار من الفيلم عبارة عن لوحة زيتية على “كانفس” canvas التي تم صنعها باستخدام نفس التقنيات المستخدمة من قبل فان جوخ منذ أكثر من قرن، وتم توظيف رسامين ماهرين كذلك خضعوا لدورة تدريبية مكثفة لمدة 3 أسابيع تعلموا كيفية الرسم مثل فان جوخ نفسه.

تحتوي كل ثانية على 12 لوحة زيتية ويكون المجموع النهائي 56،000 لوحة، والإنتاج لا يزال مستمراً وسيطلق الفيلم لاحقاً خلال 2016.
الفيلم هو التحقيق في حياة وموت فان جوخ المثير للجدل من خلال لوحاته والشخصيات التي تسكن بها والأسرارالتي ستكتشف من خلال مقابلات مع شخصيات قريبة إلى الرسام وإعادة بناء للأحداث الدرامية التي أدت إلى وفاته، وعرض ميزات أكثر من 120 لوحة من أعظم لوحات الفنان وحبكة درامية استمدت من 800 رسالة كتبها الرسام نفسه، وصولاً إلى الناس والأحداث الهامة في الفترة التي سبقت وفاته الغير متوقعة.

الإعلان الدعائي :

 

Vincent Van Gogh (Loving Vincent) فيلم رسوم متحركة عن حياة العبقري فينست فان خوخ

المصادر.

معرفة المصادر – المعرفة
المعرفة
فينسنت فان غوخ – ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
من قطع اذن كوخ؟ – بيت الفن
Nooun | فان جوخ بين الإبداع والمعاناة
فان كوخ (الحلقه الخامسه) – منتدى جمعية تكوين للفنون
نافذة على ثقافات العالم – مجلة الرافد – دائرة الثقافة والإعلام
Loving Vincent: تكريم من نوع آخر – مجلة روج | روج |
Advertisements

5 thoughts on “فينست فان جوخ- الطريق عبر حقل الصفصاف (1/3)

  1. التنبيهات: April – shadow❤️

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s