فينست فان جوخ والمرض العقلي .(3/3)

hith-Vincent_van_Gogh_-_Self-Portrait_-_Google_Art_Project_454045-E

في السابع والعشرين من يوليو عام 1890؛ دلف فينسنت فان جوخ إلى حقلٍ للقمح، خلف بيت ريفي ضخم، في قرية أوفير شيرواز الفرنسية وهناك؛ أطلق النار على صدره، وذلك بعد 18 شهراً من معاناته من اضطرابات نفسية وعقلية، منذ أن بتر أذنه اليسرى بشفرة، في إحدى ليالي شهر ديسمبر 1888، عندما كان يعيش في مدينة آرل بمنطقة بروفانس.
وفي أعقاب هذا الحادث سيء الصيت الذي انطوى على إيذاءٍ للنفس؛ ظل فان جوخ يعاني من نوبات عصبية متفرقة ومنهكة، كانت كل منها تصيبه بالتشوش وعدم القدرة على التعبير عن نفسه بشكل مترابط لأيام أو حتى لأسابيع. ورغم ذلك، فقد نَعُمَ بين هذه الأزمات الصحية، بفترات من الهدوء ووضوح الفكر، تسنى له خلالها رسم لوحاته.

ولايوجد إجماع علمي حول صحة فان جوخ العقلية ولكن من المعروف أنه كان يعاني من اضطراب نفسي وأنه انتحر في عام 1890.
وكان فان جوخ قد وصل إلى قرية أوفير في مايو 1890، بعد مغادرته لإحدى المصحات النفسية الواقعة على مشارف منطقة “سانت ريميه دو بروفانس” شمال شرقي مدينة آرل.
وكانت فترة إقامته في تلك القرية الأخصب على الإطلاق على مدار مسيرته الفنية؛ ففي غضون 70 يوماً فحسب، أنهى رسم 75 لوحة مرسومة بالفرشاة أو الألوان السائلة، وأكثر من 100 من اللوحات المرسومة بالقلم أو الفحم، وغيرها.
رغم ذلك، فقد انتابه شعورٌ متزايد بالوحدة والقلق، وبات على قناعة بأن حياته ليست سوى فشل. في نهاية المطاف، نجح في الحصول على مسدس صغير الحجم، يعود إلى صاحب المنزل الذي كان يقيم فيه في أوفير. وكان هذا هو المسدس الذي أخذه معه حينما توجه إلى الحقول، بعد ظهر ذاك الأحد الملحمي في أواخر يوليو.
غير أنه لم يكن سوى مسدس جيبٍ صغير الحجم للغاية، ذي قوة نيرانية محدودة، ولذا فعندما ضغط فان جوخ على الزناد، انطلقت رصاصة سرعان ما ارتدت إثر اصطدامها بأحد ضلوعه دون أن تخترق قلبه. رغم ذلك، فقد فان جوخ الوعي وانهار على الأرض.
وعندما حل المساء؛ عاد أدراجه وبحث عن المسدس للإجهاز على نفسه. وبعدما فشل في العثور عليه؛ عاد مترنحاً إلى حانة القرية، حيث استُدعيّ طبيب لفحصه، كما استُدعيّ شقيقه ثيو، الذي كان يحبه بشدة، والذي وصل في اليوم التالي.فارق الرسام الشهير الحياة في الليلة نفسها، وهو في السابعة والثلاثين من عمره.
وكتب ثيو لزوجته جَو تفاصيل اللحظات الأخيرة في عمر شقيقه قائلا: “ظللت إلى جواره حتى انتهى كل شيء. كان من بين أخر ما قاله ‘هذه هي الشاكلة التي أردت أن أمضي بها‘. ثم لم تمض ثوانٍ قليلة، حتى انتهى الأمر، ووجد السلام الذي لم يتسن له العثور عليه على الأرض”.


وقد قدمت العديد من الدراسات فرضيات لتلك الإضطرابات التي كانت لديه ومن بينها : الصرع , الإضطراب ثنائي القطب , التسمم بالرصاص .
بعض الأعراض شخصت من خلال تلك الرسائل التي كتبها فنست لأخيه ثيو , ومنها سجله النفسي في سانت ريمي وتشمل بعض الأعراض مثل سوء الهضم , الهلوسة , الكوابيس , حالة ذهول , الأرق والعجز , القلق والذهان .واقترح د. فيلكس ري بأنه ربما يكون أنه يعاني نوعا من الصرع . وقد وصفها بالصرع النفسي .
أصبحت هذه الهجمات أكثر تواترا في عام  1890 وكانت أطول وأشد هجمة استمرت حتى تسع أسابيع من فبراير إلى أبريل . هجمات من الإرتباك وفقدان الوعي تليها فترات من الذهول وعدم الاتساق وخلال هذه الأزمات لم يتمكن من الرسم أو الكتابة .
واحدة من أكثر مشكلاته الصحية  كانت مشاكل المعدة و الهضم . أيضا عانى من الهلوسة والكوابيس في بعض الأحيان وكان كثيرا مايذكر في رسائله أنه يعاني من الحمى .
وقد أشار في مرات كثيرة من نوبات الأرق وكان غير قادر عن النوم لمدة ثلاثة أسابيع  قبل أن يشخص بالسيلان في لاهاي- وربما يرجع الأرق والحمى إلى ذلك المرض المعدي الذي شخص به .
وفي بعض الأحيان كان يصاب فيما يسمى بالذهول ( الوعي المشوش ) [1]
أشار فنست مرات كثيرة إلى  الإنتحار في رسائله قبيل وفاته ومع ذلك  ذكر الباحثان شايفه وسميث ان فان جوخ معارضا بشكل أساسي لفكرة الانتحار .!

سلوكيات فنست فان جوخ .
العديد من المحللين أمثال الطبيب النفسي الأمريكي Dietrich Blumer متفقون على أن واحدة من الاضطرابات التي عانى منها فان جوخ هو اضطراب ثنائي القطب . هذا المرض العقلي يبني نفسه ويزداد قوة إذا لم يتدارك المرأ نفسه. ويتميز اضطراب ثنائي القطب بنوبات من الهوس والاكتئاب والغضب والتردد والإنسحاب الاجتماعي . والتفكير في أكثر الأحيان بالموت والإنتحار . والكثير من هذه الأعراض يمكن ملاحظتها والكشف عنها في سيرته الذاتية وتفسر الكثير من أفعاله .

بداية الإنهيار .
منذ صغره نمت لفان جوخ موهبة قوية تجاه الفن والدين . بعد أن عمل مع أحد أقربائه في بيع اللوحات بهولندا . وقد انتقل من معرض إلى آخر ثم انتقل إلى لندن حيث أحب ابنة صاحب المنزل وطلب منها الزواج إلا أنها رفضته , حينها عانى أولى انهياراته العقليه مما دفعه إلى تغيير حياته كلها وتكريسها لله .
هذه النكسة في عمر العشرين كانت أول خطوات الهبوط نحو دوامة من الإنهيارات العقلية والصحية والتي أدت إلى قطع أذنه ونهاية إلى الإنتحار .
يشير أحد الكتاب إلى أن هناك تاريخ للمرض العقلي في عائلة فان جوخ , خاصة أن اضطراب ثنائي القطب يعتبر من المورثات جينيا .
منغمسا في عادات سيئة قوضت حياته الصحية مثل التدخين المستمر للغليون وشرب الكحول والقهوة بشكل مفرط والإنقطاع عن الطعام تماما في بعض الأحيان كانت النتيجة الطبيعية لكل هذا هو سوء التغذية . لم يترك أبدا غليونه وكان يدخن إلى آخر رمق من حياته .

the-starry-night.jpg
التشخيصات النظرية لحالة فان جوخ العقلية .

لا يوجد حالياً إجماع حول حالته الصحية والنفسية .. من قبل مؤرخي الفن والنقاد والأطباء  ويبدو واضحاً من خلال سيرة حياته أنه كان يعاني من نوبات دورية متناوبة من الاكتئاب والنشاط الزائد ويرافق ذلك أعراض ذهانية مثل الهلوسات والهذيانات، إضافة لأعراض التهيج والغضب والسلوك الغريب مع نوبات من اختلاط الذهن وفقد الوعي ونسيان الأحداث .

صرع الفص الصدغي  .

وكان التشخيص الأكثر شهرة , ويعتقد أن فان جوخ كان لديه صرع الفص الصدغي.في عام 1956 كتب عالم الأعصاب الفرنسي هنري قوستو دراسة مهمة عن فان جوخ حيث كشف فيها أن حالة فنست لم تكن فقط نوبات الفص الصدغي لكنها تتميز أيضا بتغير في الشخصية  صاحب بداية هذه النوبات وتزايد شيئا فشيئا لما تبقى من حياته .
ويعتقد بعض علماء الأعصاب أن الذين يعانون نوبات متكرره منه قد يظهرون تغيرات غريبة في التفكير والشخصية . وأن عددا من المرضى يظهرون حدة مميزة للحياة النفسية واهتمام متزايد بالمسائل الفلسفية والدينية والكونية . كما تمت ملاحظة غزارة وخصوبة إبداع معتبرة في عديد من المرضى .[2]
– اضطراب المزاج ثنائي القطب (الهوس الاكتئابي)
وقد تناسب تعريف المرض مع فترات موثقة من النشاط المكثف يتخللها فترات من الإكتئاب والإرهاق في سيرة الفنان . [3]
اضطراب الشخصية الحدية .
يعتقد أن فان جوخ كان مصابا بإضطراب الشخصية الحدية , وقيل أن الأعراض التي كان يعاني منها تتفق مع التشخيص وهي الإندفاع والمزاج المتغير والسلوك المدمر للذات والخوف من الهجر وصورة ذاتية غير متوازنة عن النفس  والعلاقات المعقدة . وهذه النظرية كتبها الطبيب النفسي إيورين فان ميكيرين في كتابه ليله مضيئة بالنجوم , حياة وتاريخ النفسي لفنست فان جوخ  . وهو يقول أن اضطراب الشخصية الحدية هو التشخيص الأقرب لمرض فان جوخ العقلي .[4]

تشخصيات أخرى .
عولج بمادة الديجيتالين المشتقة من النبات. ولا يبدو أنه كان يعاني من الصرع الأساسي وربما كانت الأعراض الصرعية ناتجة عن التسمم بمواد كيميائية كان يتناولها مثل الرصاص (الموجود في ألوان الرسم وكان نهماً ويأكل الألوان، ويؤدي التسمم بالرصاص إلى أعراض هضمية وآلام في المعدة وفقر دم ونوبات صرعية محتملة ونوبات اختلاط ذهني حادة). أو مادة ثوجون Thujone الموجودة في مشروب “الأبسينثي Absinthe ” الذي كان يتناوله بكثرة (نوع من الليكور وهو مشروب كحولي لونه أخضر عادة، وتركيزه الكحولي حوالي 45-75% وهو مشتق من زيت نبتة خضراء وكان شائع الاستعمال في فرنسا وأوربا ثم جرى حظره على اعتبار أنه مرتبط بالعنف والجريمة ، كما أنه يحتوي على نسبة عالية من مادة ثوجون التي تسبب نوبات صرعية ويمكنها أن تسبب أيضاً الرؤيا الصفراء)

– وأما التشخيصات الأخرى التي لا يوجد دليل مقنع عليها فهي: ضربة الشمس – داء منيير – بورفيريرا حادة متقطعة – زهري (سيفلس) دماغي – داء الزرق – الفصام – الشخصية النرجسية.
وباختصار .. فإن التشحيص الأرجح هو اضطراب المزاج ثنائي القطب وهو يفسر نوباته الاكتئابية والهوسية وانتحاره  إضافة إلى أعراض صرعية، واختلاط ذهن، ورؤية صفراء، ناتجة عن التسمم بالرصاص أو الديجيتالين أو كليهما ، وربما عن التسمم بمادة ثوجون أيضاً.

التاريخ العائلي للمرض العقلي .
في الحديث عن تشخيص حالة فينسنت فان غوخ من الضروري الاهتمام بالتاريخ النفسي المرضية لأفراد أسرته ولا يوجد في جميع المصادر أية تفاصيل دقيقة.. ولكن من المفيد أن نعرف أن أخته الصغرى أصيبت بحالة نفسية شديدة وهي بعمر الأربعين سنة وقضت بقية عمرها في مشفى نفسي. وأيضاً أن أخاه الأصغر أطلق على نفسه الرصاص ومات منتحراً في عمر 33 سنة ..ويشير ذلك إلى وجود عوامل وراثية قوية في أسرته وهذا مايرجح نظرية الاضطراب المزاجي حيث أن 3 من الأخوة من أصل 6 أصيبوا بحالات نفسية شديدة.
– أخته الصغرى ويليمين (1862-1941) لم تتزوج عاشت مع أمها وعملت كمربية وممرضة لفترات، وساهمت في النشاط النسوي كموظفة ناجحة في مكتب معرض عمل المرأة. كانت قريبة من فينست والوحيدة التي كان يراسلها. أصيبت بحالة نفسية ودخلت مشفى نفسي وماتت فيه، وكانت صامتة إلا نادراً وتجلس في نفس الوضعية فترات طويلة، وترفض الطعام ويتم إطعامها بشكل طبي.وأطلق عليها تشخيص الفصام.
– أخوه الأصغر كورنيليوس (1867-2000) عمل في لندن فترة ثم ذهب إلى جنوب أفريقيا وعمل كمهندس في شركة للذهب ثم في السكك الحديدية وشارك في الحرب المحلية. تزوج لمدة 9 أشهر. أطلق على نفسه الرصاص ومات منتحراً.

وضعت قلبي وروحي في أعمالي وقد ضاع عقلي خلال ذلك  ! 

معرض على حافة الجنون
160729171402_the_mystery_of_van_goghs_madness_640x360_epa_nocredit

يستضيف متحف فان جوخ في العاصمة الهولندية أمستردام معرضاً جديداً يحمل اسم “على حافة الجنون”. ويقدم المعرض سرداً لتفاصيل العام ونصف العام الأخيريّن في حياة هذا الفنان، على نحو متوازن وشديد الدقة.
ورغم هذا، لا يتضمن ذاك السرد تشخيصاً دقيقاً للمرض الذي كان الرسام الراحل يعاني منه.
لكن المعرض يحتوي على مسدس يكسوه صدأ شديد، عُثِرَ عليه في عام 1960 تقريبا، في الحقول الواقعة خلف المنزل الريفي الكائن في قرية أوفير شيرواز. ويشير محللون إلى أن هذا المسدس، الذي ثَبُتَ أن رصاصاتٍ أطُلقت منه في السابق، ظل في العراء لفترة تتراوح ما بين 50 و80 عاماً.
بعبارة أخرى، يعني ذلك أن من المحتمل أن يكون هذا السلاح، هو نفسه الذي استخدمه فان جوخ، عندما أطلق النار على نفسه.

حل لغز قطع فنست لأذنه .

160729171434_the_mystery_of_van_goghs_madness_640x360_ap_nocredit
كما يحتوي المعرض على رسالة عُثِرَ عليها مؤخرا، وحظيت بتغطية مكثفة للغاية من قبل وسائل الإعلام، وقد كتبها الطبيب الذي تولى علاج فان جوخ في آرل، ويُدعى فِليكس رَي. وتتضمن الرسالة رسماً بيانياً يوضح بدقة الجزء الذي بتره الرسام الشهير من أذنه اليسرى.
وقد ظل كُتّاب السيرة الذاتية لفان جوخ يتجادلون لسنوات بشأن ما إذا كان قد بتر أذنه كاملة، أم أنه قطع شحمتها فحسب، إلى أن أثبتت الرسالة بما لا يدع مجالاً للشك أن البتر طال الأذن كلها. وقد ألفت الباحثة المستقلة برنادِت مُرفي، التي عثرت على تلك الرسالة، كتاباً جديداً صدر مؤخراً حول اكتشافها هذا باسم “أذن فان جوخ: القصة الحقيقية”.

وبطبيعة الحال، تشكل هذه الرسالة الكشف الأهم الذي يحتوي عليه المعرض المُقام في متحف فان جوخ. لكن شيئاً آخر استرعى انتباهي خلال زيارتي للمعرض مؤخراً؛ ألا وهي لوحة غير مكتملة يبلغ عرضها نحو متر، ويُطلق عليها اسم جذور(1890).

وقد عَمِل الرسام في هذه اللوحة، في صباح السابع والعشرين من يوليو/تموز؛ قبل ساعات قلائل من إطلاقه الرصاص على نفسه، ولذا فهي أخر لوحاته على الإطلاق.

تحليل لوحة الجذور لفهم نفسية فان في اليوم الأخير قبل وفاته

160729171236_the_mystery_of_van_goghs_madness_640x360_vangogh_nocredit

ما الذي يمكن لنا أن نستشفه إذاً من اللوحة التي كان يرسمها في صبيحة ذلك اليوم البعيد، بشأن حالته العقلية؟

لوهلة الأولى؛ تبدو تلك اللوحة الحافلة بالتفاصيل، ذات طابع تجريدي بحت تقريباً. وهنا يتساءل المرء كيف ينبغي له أن “يقرأ” ضربات الفرشاة الغنية بالألوان؛ الزرقاء والخضراء والصفراء، التي تنطبع بقوة على هذه اللوحة الزيتية، وهي الضربات التي لا تزال ظاهرة في أماكن مختلفة منها.

بمزيد من التأمل، تكشف اللوحة عن طبيعتها تدريجياً، ليتضح أنها عبارة عن منظرٍ طبيعي، يُصوّر جذوراً عارية وأجزاء من مناطق سفلية من جذوع الأشجار، تبدو مرسومة على خلفية من تربة رملية فاتحة اللون تقع على جُرف من الحجر الجيري منحدرٍ بشكل حاد. ويظهر جزءٌ صغير من رقعة السماء، في الطرف العلوي من الجانب الأيسر للوحة.

وبغض النظر عن ذلك؛ تُكرس اللوحة كاملةً لكتلة متشابكة بشدة من الجذور والجذوع والأغصان كثيرة الالتواءات والانحناءات، إلى جانب نباتات محتشدة ومتراصة جنباً إلى جنب.

وفي هذا الشأن، يقول المؤرخ الفني مارتِن بايلي، الذي سيصدر له قريباً كتابٌ بعنوان “مرسم الجنوب: فان جوخ في بروفانس”، إن الأجزاء العليا من الأشجار الظاهرة في اللوحة “مقطوعة على شاكلة غير معتادة، تشبه تلك التي يمكن أن يجدها المرء، في اللوحات اليابانية التي كان فان جوخ معجباً بها بشدة”.

في واقع الأمر، فإن “جذور الشجرة” لوحةٌ ذات طابع استثنائي من نواحٍ عدة. فهي عبارة عن تكوينٍ مبتكر، يرتسم على طول اللوحة وعرضها، دون نقطة مركزية واحدة، تستحوذ بعينها على الاهتمام.

وبوسع المرء القول إن هذا العمل يستشرف ما سيظهر في السنوات التالية من نزعات فنية في عالم الفن الحديث؛ مثل المدرسة التجريدية وغيرها.

لكن يستحيل في الوقت نفسه، ألا ننظر إلى هذه اللوحة بأثر رجعي، من زاوية معرفتنا بحقيقة أنها رُسمت قبل وقت قصير للغاية، من إطلاق الرسام النار على نفسه. فما الذي يمكن لنا أن نستشفه من ذلك بخصوص الحالة العقلية لذاك الرجل؟ هل كانت رسالة وداع لكل شيء؟

بالقطع تبدو اللوحة جياشة بالمشاعر والانفعالات، وكذلك مفعمة بالاضطراب العاطفي. وهنا يقول بايلي: “إنها من بين تلك اللوحات التي يمكن للمرء أن يستشعر من خلالها الحالة الذهنية التي كانت تعتري فان جوخ أحياناً من كرب وعذاب”.

علاوة على ذلك، يبدو موضوعها ذا مغزى ودلالة في حد ذاته. فقبل سنوات من إقدام فان جوخ على رسمها، كان قد أجرى دراسة بشأن جذور الأشجار؛ استهدفت التعبير عن جانب من “صراعات الحياة”، كما قال في رسالة كتبها لشقيقه ثيو.

وقبل وقت قصير من وفاته، كتب الرسام الهولندي خطاباً آخر لشقيقه، قال فيه إن حياته “هوجمت في جذورها“. بناءً على ذلك؛ هل كان فان جوخ يرسم “جذور الشجرة” كوداعٍ لكل شيء في حياته؟

أمينة المتحف وآراء حول فنست فان جوخ .

وطرحت هذه الأفكار على أمينة المتحف نينكه بَكِر، وهي مسؤولة عن مجموعة اللوحات الموجودة في متحف فان جوخ، لأجدها ترد ناصحةً بتوخي الحذر إزاء هذا الأمر، قائلة: “هناك الكثير من الجيشان العاطفي في الأعمال التي رُسمت خلال الأسابيع الأخيرة من حياة فان جوخ، مثل ‘حقل القمح والغربان’ و’حقل القمح تحت الغيوم الرعدية‘.”

وتمضي بَكِر قائلة: “من الواضح أنه كان يحاول التعبير عن الانفعالات التي كانت تعصف بعقله. رغم ذلك، فإن لوحة ‘جذور الشجرة’ تتسم كذلك بأنها مفعمة بالحيوية للغاية، وتعج بالحياة، وتكتسي بطابعٍ مغامرٍ بشدة”.

وتتابع: “ومن العسير تصور أن شخصاً رسم هذه اللوحة في صباح يومٍ ما سيحاول أن يُجهز على حياته بحلول نهاية اليوم نفسه. بالنسبة لي، يصعب القول إن فان جوخ عَمِدَ إلى رسم تلك اللوحة بمثابة وداع، (لأن) ذلك سيصبح أمراً ذا طابع عقلاني أكثر من اللازم”.

في نهاية المطاف، بدت أمينة المتحف حريصةً على أن تدحض تماماً فكرة أن مرض فان جوخ كان سبب عظمته كرسام. وقالت في هذا الصدد: “كل هذه الجذور المُعذبة كثيرة العقد والالتواءات، تجعل ‘جذور الشجرة’ لوحةً ذات طابع محموم ومتوتر وعاطفي بشدة”.

وتتابع قائلة: “لكنها ليست باللوحة التي يبدعها عقل مجنون. فقد كان مدركاً للغاية لما يفعله. فحتى النهاية، كان فان جوخ يرسم رغم مرضه، وليس بسببه. من الأهمية بمكان أن نتذكر ذلك”.

تنبية

يقول أوليفر ساكس ” من الخطر أن نتمادى في تشخيص أسلافنا أو معاصرينا  مختزلين تعقيدات حالاتهم في اضطرابات عصبية أو نفسية بينما نهمل جميع العوامل الأخرى التي تحدد الحياة ليس أقلها الأصالة الغير قابلة لإختزال الفرد .”

اقتباسات من رسائل فنست فان جوخ – ترجمت لأول مرة –

VGM001000066_01_nLf.png

إلى ثيو : March 1877

أنت لاتعرف كيف أنا مولع بالكتاب المقدس . أقرأه يوميا ولكن أريد أن أحفظه في قلبي وأن أرى حقيقة هذه العبارة ” كلامك نور لطريقي وَ سراج لقدمي “أأمن بأن حياتي ستتغير يوما ما بطريقة أو بأخرى  .وأن هذا الإيمان تستكون نتائجه مرضية .أيضا.. أحيانا أشعر بالحزن والوحدة خاصة حين أسير لوحدي داخل كنسية أو بيت كاهن .

ثيو . .April 1882

أنا رجل , خليط من الأخطاء والعيوب والعواطف . ولكنني لا أعتقد أنني في أي وقت مضى حرمت إنسانا من خبزه أو من رفيقه ! أحيانا أتشاجر مع الناس بالكلمات ولكن الإعتداء على رجل بسبب اختلاف في الرأي ليس عمل رجل صادق . على الأقل هذه ليست أسلحة صادقة .

ثيو ..January 1876

نشعر بالوحدة بين الحين والآخر نتوق أن نكون وسط أصدقاء ونعتقد أنه في حين أننا كذلك سنكون مختلفين وسعداء خاصة إذا وجدنا الصديق المثالي . ولكننا نعلم في قرارة أنفسنا أننا نخدع أنفسنا بهذا الحنين للآخر لأنه إذا تعلقنا به كثير سوف يحيد بنا عن الطريق .

ثيو ..

بالرغم من أنني في كثير من الأحيان غارق في أعماق البؤس , لازال هناك تناغم نقي وموسيقى في داخلي . أرى اللوحات والرسومات في أقذر البيوت وفي الزوايا القاتمة منها ولكن عقلي مدفوع نحو هذه الأشياء بزخم لايقاوم .

الأجزاء الأولى من السلسلة .

فينست فان جوخ- الطريق عبر حقل الصفصاف (1/3)

My dear Theo -رسائل فان جوخ (3/2)

هوامش .
[1] الذهول  Stupor – الوعي المشوش هو وضع يتصف بتراجع في مستوى اليقظة كتعبير عن المرض. يبدو المريض المصاب بهذه الحالة كأنه دب فيه النعاس، إلا أنه على النقيض من النوم الاعتيادي (الذي يعتبر حالة فسيولوجية طبيعية) فإن الذهول يعتبر حالة شاذة.
بالنسبة للمريض نفسه ينعكس الذهول بانخفاض حاد في مستوى الاستيعاب والتعبير الدماغي: إذ ينخفض حجم ودقة دماغ المريض المصاب بالذهول، على استيعاب المحفزات من العالم الخارجي من خلال حواسه. كما ينخفض حجم وسرعة ودقة النشاط الذاتي للمريض وردود فعله العقلية والحركية على المحفزات.
[2] صرع الفص الصدغي Temporal lobe epilepsy، هو مرض عصبي مزمن يتميز بالنوبات الصرعية المتكررة والغير مبررة (صرع)، والتي تنشأ في الفص الصدغي للمخ. تشمل النوبات تغيرات حسية؛ على سبيل المثال، شم رائحة غير عادية والتي لا تكون موجود بالفعل (وهم شمي)، أو اضطراب في الذاكرة. تعالج عن طريق الأدوية أو الجراحة وتشخيصها متغير.
يبدأ صرع الفص الصدغي في الجزء الدماغي المسؤول عن المشاعر، وردات فعل القتال أو الهروب، والذاكرة قصيرة الأمد. ويعاني العديد من المصابين بصرع الفص الصدغي من مشاعر غريبة، تتراوح بين الزهو، والخوف، والشعور بأن أشياء قد حدثت سابقاً تحدث مجدداً، وهلوسة في الشم والتذوق، ويحدث ذلك كلّه عندما تبدأ النوبات الصرعية. قد تنشأ النوبات الصرعية التي تبدأ في الفص الصدغي بسبب وجود خلل تشريحي أو ندبة، إلا أن تحديد سبب حدوث صرع الفص الصدغي ليس ممكناً دائماً. غالباً ما يكون صرع الفص الصدغي مقاوماً للأدوية المضادة للصرع، وقد تكون الجراحة خياراً بالنّسبة لبعض المرضى إذا كانت النّوبات تبدأ باستمرار في فصٍّ واحد من الفصّين الصّدغيين، ويشفى العديد من المرضى عندما يتم استئصال الجزء المصاب من الفص.

[3] اضطراب الهوس الاكتئابي هي حالة يكون فيها شخص شاب يعناي تغيرات شديدة في المزاج او نوبات كونه عالي المزاج بصورة غير اعتيادية ونوبات من كونه منخفض المزاج بصورة غير طبيعية .
في بعض الاحيان يسمي اضطراب الهوس الاكتئابي . ان تقلبات المزاج تكون الي حد لا يمكن اعتبارة طبيعيا لشخص مهين وهي بعيدة عن تلائمها مع شخصيتة  .وبعد الاحيان يوجد خليط من أعراض الهوس والأكتئاب في نفس الوقت .

[4] كما يدعى اضطراب الشخصيّة غير المستقرّة عاطفياً أو اضطراب الشدّة العاطفيّة أو النمط الحدّي حسب المراجعة العاشرة للتصنيف الدولي للأمراض (ICD-10)، أو بالاسم الشائع اضطراب الشخصيّة الحدّية هو نوع من أنواع اضطراب الشخصيّة من المجموعة B، والذي من أبرز أعراضه وملامحه وجود اندفاعية مميّزة وعدم اتّزان في التعبير عن المشاعر وفي العلاقات مع الأشخاص وفي صورة الذات. إنّ هذا المرض مصنّف ضمن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية.
يكون هذا الاضطراب موجوداً في مراحل المراهقة، ويمكن أن يظهر عرضةً حسب الموقف. من الأعراض الأخرى لهذا الاضطراب الخوف من الهجران والتهميش، وحدوث نوبات شديدة من الغضب والتهيّجيّة، الأمر الذي يكون من الصعب فهمه بالنسبة للآخرين. غالباً ما يبدي الأشخاص المصابون باضطراب الشخصيّة الحدّي رأيهم في الأشخاص المحيطين بحالة إقصائية، إمّا بجعلهم مثاليّين أو أنهم غير متحلّين بالقيم، وذلك بشكل متفاوت بين التقدير العالي الإيجابي أو خيبة الأمل السلبية.[5] بالإضافة إلى ذلك، فإنّه من الممكن أن يصل الأمر إلى إيذاء النفس أو حتى الانتحار
بما أنّ هذا الاضطراب يتميّز بطول الأمد وبقابليته للانتشار وللتغلغل، فإنّه غالباً ما يوجد ممانعة من قبل المصابين بهذا الاضطراب لتشخيص النفسيّة، وخاصّة في المراحل الأولى من المراهقة أو البلوغ المبكر. ومن الممكن أن تزداد أعراض هذا الاضطراب سوءاً في حال عدم حدوث علاج مبكّر لها.

المصادر .

Vincent van Gogh’s health

van Gogh letter

فنست فان جوخ , لمحات من حياته وفنه.
اضطراب الشخصية الحدي
لغز “جنون” الرسام الشهير فان جوخ الذي دفعه لقطع أذنه
Vincent Van Gogh Quotes
van gogh letters
صرع الفص الصدغي
(اضطراب المزاج ثنائي القطب ( الهوس – الأكتئاب
أوليفر ساكس . عالم أنثروبولوجي على المريخ .

جمع وترجمة وكتابة : سمية عبدالرحمن .

Advertisements

5 thoughts on “فينست فان جوخ والمرض العقلي .(3/3)

  1. فنَّـن🌿 كتب:

    لأول مرة أقرأ عن “نفسية” فان جوخ، على الرغم أن ذلك يعتبر ضمن تخصصي (علم النفس). معلومات دقيقة محايدة.
    شكرًا لكِ.

    Liked by 1 person

    • سمية عبدالرحمن كتب:

      أهلا فنن , بالنسبة لفان جوخ بالإضافة إلى رسوماته هناك رسائله وحالته النفسية / العقلية .. دائما محل جدال وبحث .
      أظن في الجامعة لايوجد في المناهج مثل ذلك فقط نظريات وشروحات حتى أنا لم أكتشف ذلك إلا منذ سنة حين بدأت أكتب عنه 🙂
      العفو وَ شكرا لكِ أيضا .

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s