ملء الفراغ: حول ترجمة عمل ميلوش كرينانسكي “رواية عن لندن “

By Will Firth

11/13/2019

من أبريل 2018 إلى سبتمبر 2019, قمت بترجمة “رواية عن لندن” (1971) , وهي من كلاسيكيات الحداثة الأوربية والتي رسخت مكانة الكاتب/الأديب الصربي ميلوش كرينانسكي ( وتنطق كيرن-يان-سكي) كواحد من أصوات شرق وَ وسط أوروبا العظيمة في القرن العشرين .سيتزامن نشر الرواية المؤلفة من أكثر من 700 صفحة في معرض لندن للكتاب لعام 20201 , وستكون متاحة باللغة الإنجليزية أخيرا بعد مايقارب من خمسة عقود من نشرها أول مرة في بلغراد .

رواية عن لندن ” هي عن مهاجر روسي مسن , نيكولاي ريبينين , تَتَبّع حياته وهو يحاول جاهدا العيش في لندن بعد هجرته سنة 1940 . يرسم كرينانسكي صورة صارخة وكاشفة لأوروبا التي مزقتها الحرب من خلال عين شخص يعيش حالة دائمة من الاغتراب . ولد ريبينين نبيلا روسيا في سانت بطرسبرغ قبل الثورة , والآن أصبح يكسب قوت يومه من وظائف غريبة في العاصمة البريطانية , التي يصور مبانيها وآثارها ومواطنيها وعاداتها بسحر .ذكريات موطنه الأول تحول بينه وبين بناء منزل له في بيئته الجديدة , رهاب الأجانب منتشر  .

بالرغم من عنوان الرواية إلا أنها تتجاوز مدينة لندن إلى مدن أخرى وأناس مختلفين . بينما يتسكع ريبينن في شوارع ومتاهات المدينة التي تعرضت للقصف , تجول به الذكريات نحو روسيا وحياته المترفة هناك, والرحلة الطويلة التي خاضها نحو أوروبا بعد الثورة . يلتقي  بمجموعة من المهاجرين من جميع  أنحاء العالم , كل مهاجر يحمل بين جنباته قصة . تظهر صورة للنظام الطبقي لعموم أوروبا والتأثيرات الحقيقية للحرب , وهي رؤية لا مثيل لها في أدب القرن العشرين بعمقها ونطاقها . الرواية مليئة بالفكاهة والغرابة التي تضفي نوعا من الخفة. يتمتع كرينانسكي بأسلوب ساخر وقاسي كما لا تخلو كتاباته من حس الدعابة .

ترافق ريبينين في معظم أحداث الرواية زوجته الجميلة ناديا , التي تصغره بعشر سنوات , يرغب ريبينين  في إنقاذها من الفقر بإرسالها لأمريكا لتعيش مع خالتها , وهي أيضا مهاجرة روسية استقرت في نيويورك . الدراما الزوجية هي واحدة من الموضوعات الرئيسية للرواية . عرضت  لقاءات ريبينين مع المهاجرين الروس والسياسيين البريطانيين المخادعين و التجسس كمواضيع فرعية . ويظهر خيط وجودي واضح في الرواية حين يفكر ريبينين بالانتحار خاصة بعد رحيل زوجته إلى العالم الجديد .

لم يكن تركيز كرينانسكي على المنفى والهجرة والاغتراب من قبيل الصدفة . الرواية هي سيرة ذاتية جزئيا . ولد كرينانسكي في الشتات الصربي فيما يعرف الآن بالمجر , وتم تجنيده للقتال في صفوف الجيش النمساوي المجري في الحرب العالمية الأولى , وبعد إصابته على الجبهة الجاليكية ( التي تسمى حاليا جنوب غرب أوكرانيا ) عولج وأكمل تعافيه في مستشفى بفيينا. لقد شهد عن قرب انهيار إمبراطورية هابسبورغ والاضطرابات التي أعقبت الحرب في أوروبا. بالانتقال إلى مملكة يوغوسلافيا التي تأسست حديثًا ، عمل كرينانسكي مدرسًا وَصَحَفِيًّا وسرعان ما بدأ في رسم صورة لنفسه كشاعر وروائي. في عام 1928 انضم إلى السلك الدبلوماسي اليوغوسلافي وعمل ملحقًا صحفيًا في السفارة في برلين ، وانتقل لاحقًا إلى روما حيث كان لا يزال يمارس الكتابة ونشاطه  الصحفي ، كما كتب من إسبانيا خلال الحرب الأهلية. حين اندلعت الحرب العالمية الثانية ، تم إجلاء كرينانسكي من روما عبر مدريد ولشبونة إلى لندن ، عاش فيها منذ عام 1941 وحصل على الجنسية البريطانية في عام 1951. رغم معارضته لنظام تيتو ، عاد كرينانسكي إلى يوغوسلافيا في عام 1965 وعاش بقية حياته في محبوبته بلغراد.

بالرغم من أن سمعة كرينانسكي الأدبية سبقته حين عاد ، إلا أنه عومل كشخص غير مرغوب به في يوغوسلافيا الاشتراكية ، ولم يتم إدراج أعماله في مناهج المدارس والجامعات. بدأ الوضع يتغير تدريجياً بعد وفاة تيتو في عام 1981 ، وخاصة بعد تفكك يوغوسلافيا .  بعد وفاته ,تلقى كرينانسكي الاهتمام والتقييم الذي يستحقه.  اليوم ، ومن المفارقات ، سارت الأمور إلى النقيض المعاكس: يُعد كرينانسكي أحد الشخصيات الرئيسية في الأدب الصربي ويتم الترويج له ، ربما بشكل مفرط ، على حساب الكتاب الآخرين المتميزين الذين لا ينسجمون مع النموذج القومي المتطرف اليوم.

“رواية عن لندن”  هي رواية للتفكر، بطيئة الخطى, تحمل سمات مميزة لمؤلف بارع وناضج ، بالإضافة إلى عدد من  الأساليب الإنشائية الغريبة (على سبيل المثال ، علامات ترقيم الغزيرة المبتكرة). إن ميول كرنيانسكي السلافية واختياره لروسي – وليس يوغوسلافي – بالنسبة للبطل الرئيسي يضفي على هذه الرواية المتأخرة شعورًا عالميًا / شعبويا إلى حد ما. يتجلى مزاجها العام في المقطع التالي:

” من الواضح أن الرجل السائر نحو الدرب المسدود يعرف طريقه . رافقته متخفيا , وسألني : كم الساعة ؟ “عند الساعة في مرصد غرينتش” قلت “الشيء الذي كان يعرفه الجميع منذ مئة عام , الساعة السابعة” . قال إن السنوات تمر سريعا . كان قد بلغ الثالثة والخمسين من العمر , وناديا – المسكينة ناديا قد بلغت الثالثة والأربعين . هكذا يكون الأمر حين تكون أجنبيا في عالم مختلف . لقد اعتذر لي عن كون الأنوار مطفئة في الشارع المسدود الذي كنا نسير فيه . في زمن ما كان للندن مشعل قناديل محلي . أما الآن تبدو وكأنها أُطفئت بأيدي غير مرئية . كأنهم يريدوننا أن نبقى في الظلام .

حين أرى ناديا , سأقول لها إنها تبدو أصغر بعشر سنوات . المشردون يشيخون بسرعة . تتغير أنوفهم , تتدلى أفواههم من الوجع , تنتفخ عيونهم . ما الحياة سوى تلك التغييرات على وجوهنا .”

لا وجود حقيقي للمرافق في النص المقتبس أعلاه. ليس كرينانسكي , وليس الراوي “كلي العلم”2 , ولكنه أقرب لرفيق عرضي , حسن النية , معاصر له . هناك شيء غريب وأثيري في هذه العلاقة  التي تمر عبر الرواية بشكل متقطع دون أن يكون لها حضور واضح . ولعل هذا المرافق دليل على وجود تفكك في الشخصية ؟

بالرغم من أهمية الرواية الأدبية إلى أن التفاوت في استقبالها أدى إلى ترجمتها إلى خمس لغات فقط ( البولندية , المجرية , الفرنسية ,الروسية ومؤخرا الإيطالية ) يبدو أن أعمال كرينانسكي قد طغى عليها أعمال إيفو أندريش مؤلف جسر على نهر درينا الذي حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1961, وقد تعرض الكرواتي ميروسلاف كرليجا نظير كرينانسكي للإهمال أيضا, والذي لم يكن معروفا للناطقين باللغة الإنجليزية ,على سبيل المثال رحلة سفره المهمة إلى روسيا عام 1926 . لقد ترجمت هذا العمل القوي ونشر مطبوعا عام 2017 في الذكرى السنوية للثورة الروسية , ولكن لايزال هناك العديد من الفجوات التي تحتاج إلى ملء .

بالنسبة لـ ” رواية عن لندن ” خاضت رحلة طويلة نحو طريقها إلى اللغة الإنجليزية . تعرفت على الرواية لأول مرة عبر زميلة مترجمة من ألمانيا ,   ترغب في ترجمتها وتبحث عن ناشر ألماني . لقد ألهمتني وبدأت في البحث عن سبل لنشر الرواية باللغة الإنجليزية . التحدي الذي يواجه المترجمين الإستباقيين هو أننا غالبا  ما نجبر على القيام بدور الوكلاء الأدبيين , ونسعى لإغراء الناشرين  وترتيب الأموال للترجمة . 

نظرا لأن تركيز الرواية على عاصمة المملكة المتحدة كنت أسعى في أن يكون الناشر شركة بريطانية . بعد ترجمة جزء من الرواية بحثت على نطاق واسع عن ناشر في دور النشر الكبيرة والصغيرة . لكن الاهتمام بالأدب المترجم الذي لم يثبت جاذبية تجارية في الشراء – مثل الأعمال الإسكندنافية المعاصرة عن الجريمة – محدود للغاية   .

ناشر صغير متخصص في الأدب الأوروبي الجنوبي الشرقي كان كافيا جدا ، لكن حجم الرواية كان سببا في الرفض  . بخيبة أمل من البريطانيين الجبناء ، وجهت أنظاري إلى أماكن أبعد ، وتمكنت في النهاية من إغراء ديالوغوس في نيو أورلينز ، حيث كان لدى الناشر بيل لافندر القدرة على قبول التحدي (نشر ديالوغوس بالفعل مختارات من الشعر الصربي المعاصر ، مع العنوان المثير للاهتمام Cat Painters ، في عام 2016 ، جنبًا إلى جنب مع مجموعة متنوعة من الأعمال المترجمة من لغات أخرى)

تمول وزارة الثقافة والإعلام الصربية الترجمة بالكامل لأن الكاتب له أهمية كبيرة ، سواء من الناحية الأدبية بشكل عام أو في سياق القانون الوطني السائد في صربيا. كانت الخطوة التالية أن يحصل الناشر على الحقوق من مؤسسة ميلوش كرينانسكي في بلغراد ؛لقد كان هذا الاهتمام بالكاتب بمثابة اجتياح مفاجئ للمؤسسة ولكنها وافقت أخيرًا على التعاون. على أي حال ، يعد نشر هذه الرواية المحبوبة باللغة الإنجليزية حدثًا رَئِيسِيًّا، من منظور صربي.

لم تنته القصة بعد . أشهر روايات كرينانسكي ” الهجرة ” ترجمت إلى اللغة الأنجليزية ونشرت في مجلدين   الأول” الهجرة 1 ” تم نشره من قبل هارفيل عام 1994 بترجمة الشهير مايكل هنري هايم . ثم ترجم  المجلد الثاني من الهجرة ولكن لم ينشر بعد . وهكذا, تبقى الفجوات ..  ومع ذلك نأمل أن يكون لكرينانسكي موطئ قدم باللغة الإنجليزية . ويحدونا الأمل في أن تكون روايته ” رواية عن لندن ” ذلك العمل الخلاق الرائع بمثابة خطوة رئيسية في هذه العملية .

By Will Firth

11/13/2019

ترجمته :

سمية عبدالرحمن

  • تمت ترجمة هذا النص بإذن من الكاتب .

الهوامش .

  1. تم تأجيله * للتفصيل التدوينة القادمة*
  2. الراوي كلي العلم :هو الراوي الذي يعرف ما يحدث في جميع مراحل القصة في جميع الأوقات. يعرف هذا الراوي أفكار ومشاعر جميع الشخصيات في القصة.

7 أفكار على ”ملء الفراغ: حول ترجمة عمل ميلوش كرينانسكي “رواية عن لندن “

  1. تنبيه: الجَوْمية والعباهلة واللهازم والصوّة… وتحياتنا للشنفرى! – يونس بن عمارة

  2. أشكرك لإثراء المحتوى العربي.
    أنا أيضًا ظننتك ترجمت رواية ففرحت جدًا وقلت أدخل بسرعة أبارك لكن طلع مقال 😮 وهو جميل على فكرة وأعجبتني ترجمته واستئذانك الكاتب.
    على كل ظني وظن بلقيس فال خير عليك وأرجو مستقبلا نرى لك كتبا وليس كتاب على الرف.
    👏🎊

    Liked by 1 person

    1. أولا بلقيس اسمك جميل جدا .
      ثانيا كنت أريد كتابة العنوان كتالي : مترجم / ملء الفراغ .. الخ لكن شعرت أن العنوان طويل .
      أخيرا لا أحد يعرف الأقدار ربما أترجمه مستقبلا (700 صفحة ) لكن حاليا قدراتي في ترجمة المقالات فقط . شكرا لكِ وإن شاء الله تكون الترجمة لائقة . هناك تدوينة ملحقة سأكتبها قريبا إن شاء الله .

      Liked by 2 people

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s